في اللحظة التي ولدت فيها حنان (30 سنة)، العاملة بإحدى شركات القطاع الخاص، لم تبدأ رحلة الأمومة كما تخيلتها. توفي ابنها بعد الولادة مباشرة. وبينما كانت تواجه ألم الفقدان، تلقت إخطارا من مؤسستها بضرورة العودة إلى العمل بعد شهر واحد فقط. لم تكن حنان تعلم أن القانون التونسي يتضمن حكماً خاصاً لحماية النساء في حالة وفاة المولود. عرفت ذلك صدفة حين نبهتها صديقة، فلجأت إلى محامية وتثبتت من حقها قبل أن تُعلم إدارتها.تطرح قصتها السؤال المركزي لهذا التحقيق: ماذا يحدث عندما لا تعرف المرأة حقها القانوني؟ وكيف يتحول الجهل بالنص إلى أداة تُحرم بسببها النساء من فترة التعافي المستحقة؟بعد عامين من دخول قانون عطل الأمومة والأبوة حيز التنفيذ، يقيس هذا التحقيق المسافة بين النص والواقع: المعرفة بالحق، وطبيعة القطاع (عام أو خاص)، والاستقرار المهني. ويركز على الأمهات في الحالات الصحية والنفسية الاستثنائية.
الإطار التشريعي: ماذا يمنح القانون في الحالات الاستثنائية؟
أقر القانون عدد 44 لسنة 2024 وصدر بالرائد الرسمي في 12 أوت 2024، بعد مصادقة مجلس نواب الشعب عليه في جلسة 31 جويلية 2024. ويسري على أعوان الوظيفة العمومية والقطاع العام المنخرطين بالصندوق الوطني للتقاعد والحيطة الاجتماعية (CNRPS)، وعلى الأجراء وغير الأجراء في القطاع الخاص بشرط الانخراط والتصريح لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي (CNSS).
ولم يكتف القانون بتحديد عطلة موحدة للأم، بل أقر فترات مختلفة بحسب ظروف الولادة ووضعية المولود، كما نظم لأول مرة بصورة أوضح عطلة الأب في الحالات العادية والاستثنائية.
فما الذي تغير تحديدا؟ وما المدة التي يمنحها القانون للأم والأب في كل حالة، من الولادة العادية إلى الولادة المبكرة، ومن ولادة التوائم إلى الحالات التي تستوجب رعاية خاصة، وصولا إلى وفاة المولود؟
يوضح الرسم التالي أبرز الحقوق التي أقرها القانون للأم والأب، والمدة المخصصة لكل حالة:
العطلة واحدة والتعويض مختلف
توحّدت المدة بين القطاعين، لكن الأجر لم يتوحد. وفق تحليل مؤسسة فريدريش إيبرت (أكتوبر 2024)، تتقاضى الأم في القطاع العام أجرها كاملاً خلال العطلة، بينما تتقاضى الأم في القطاع الخاص منحة من الضمان الاجتماعي تساوي ثلثي الأجر اليومي المتوسط، بسقف يعادل ضعف الأجر الأدنى، ودون مساهمة من المؤجر.
ويُضاف شرط إداري: يجب تقديم طلب المنحة خلال شهر من الولادة، وهو شهر تقضيه الأم في أصعب مراحل ما بعد الوضع. وقبل القانون كانت الأم في القطاع الخاص تتمتع بأربعة أسابيع فقط، أي أقل من الحد الأدنى الدولي.
للمقارنة، تنص اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 183 على 14 أسبوعاً على الأقل بثلثي الأجر. بلغ القانون التونسي هذا الحد في المدة، وبقي الفرق قائماً في صيغة التعويض بين القطاعين.
على عكس تجربة حنان، تمثل قصة زينب (27 سنة)، الموظفة بالقطاع العام، الوجه الذي نجح فيه النص في تحقيق غايته. أنجبت زينب سنة 2025 طفلاً خديجاً استوجب عناية طبية مركزة ومتابعة دقيقة بعد الخروج من المستشفى، وانتفعت بكامل العطلة الممتدة: أربعة أشهر.
“عندما ولدت ابني قبل موعده، لم تكن أصعب مرحلة هي الولادة نفسها، بل الأيام والأسابيع التي تلتها. كان يحتاج إلى متابعة دقيقة، وإلى مواعيد طبية متكررة، وكنت أعيش باستمرار على الخوف من أن تطرأ عليه مضاعفات جديدة. بعد خروجه من المستشفى، لم يكن بإمكاني أن أتعامل معه كأي طفل حديث الولادة؛ كان يحتاج إلى عناية ومراقبة أكثر، وكنت أحتاج أنا أيضاً إلى الوقت حتى أستعيد عافيتي وأستطيع الاعتناء به.أربعة أشهر كانت بالنسبة لي مهمة جداً. لم أشعر أنني مضطرة إلى الاختيار بين عملي وبين ابني، أو أن أعود إلى العمل قبل أن أكون مستعدة لذلك. كنت أعرف أن لدي فترة قانونية أستطيع خلالها أن أرافقه، وأن أكون حاضرة في مواعيده الطبية وأتابع تطور حالته من دون أن أفكر كل يوم في موعد عودتي إلى العمل. قبل أن أنتفع بالعطلة، لم أكن أتصور فعلاً كم يمكن لشهر إضافي أن يصنع فرقاً. لكن عندما عشت التجربة، فهمت أن الشهر الرابع ليس مجرد مدة إضافية، بل وقت تحتاجه الأم فعلاً عندما يكون طفلها خديجاً. في تلك الفترة كنت أحتاج إلى أن أكون معه، وأن أتابع حالته، وأن أستعيد توازني بعد الولادة.لو كانت العطلة ثلاثة أشهر فقط، لكان الضغط أكبر بكثير، خاصة مع استمرار حاجة ابني إلى المتابعة. القانون أعطاني شيئاً أساسياً: الوقت. والوقت في حالة طفل خديج ليس رفاهية، بل جزء من الرعاية نفسها.لذلك أعتبر أن استفادتي من أربعة أشهر لم تكن مجرد عطلة من العمل، بل كانت فرصة لأكون أماً حاضرة في فترة كان ابني يحتاجني فيها أكثر من أي وقت آخر”
— زينب، 27 سنة، موظفة بالقطاع العام
تؤكد شهادة زينب أن إضافة الشهر الرابع لم تكن مجرد تمتيع بإجازة. إنها اعتراف رسمي بأن رعاية طفل خديج حالة استثنائية تستوجب تفرغاً وتعاملاً خاصاً.
أرقام من السياق الصحي
وليس الشهر الرابع ترفا إذا نظرنا إلى ما تقوله الدراسات التونسية عن الولادة المبكرة وعن مصير الرضع في أيامهم الأولى. هذه الأرقام لا تخص حالة زينب بعينها، بل ترسم الخلفية التي تفسّر حاجة أم الخديج إلى وقت إضافي:
-
5.6%: نسبة الولادات المبكرة (قبل الأسبوع 37 من الحمل) بين 161 ألف ولادة في ولاية المنستير بين 1994 و2012، وفق دراسة نشرتها المجلة الصحية لشرق المتوسط التابعة لمنظمة الصحة العالمية.
-
32%: نسبة الوفيات داخل المستشفى بين الرضع الخدج جداً، في دراسة أُجريت على وحدة عناية واحدة ونشرتها مجلة «تونس الطبية». وتُرجع الدراسة هذا الارتفاع أساساً إلى صعوبات التنفس لدى هؤلاء الرضع.
-
28‰: تقدير للوفيات المحيطة بالولادة في تونس، أي 28 حالة في كل ألف ولادة، منها 15 في الألف ولادات ميتة، بحسب دراسة منشورة في «تونس الطبية».




توضح أن
تستوجب رعاية خاصة أو تدخلا طبيا مستمرا. وبذلك، فإن وضعية الأم ذات الإعاقة لا تشكل في حد ذاتها سببا للانتفاع بالعطلة الاستثنائية المنصوص عليها في القانون.
تقتضي تقييم مدى تطبيقه فعليا، ولا سيما بالنسبة إلى العاملات في وضعيات مهنية هشة أو في قطاعات لا تزال تواجه صعوبات في إنفاذ الحقوق الاجتماعية.