• الأحد. أكتوبر 4th, 2026

إذاعة السيدة - Essaida FM

أول إذاعة تهتم بنشر ثقافة حقوق الإنسان

أربعة أشهر لترميم الفقد والرعاية: هل أنصف قانون الأمومة أمهات «الولادات الاستثنائية»؟

أكتوبر 4, 2026

في اللحظة التي ولدت فيها حنان (30 سنة)، العاملة بإحدى شركات القطاع الخاص، لم تبدأ رحلة الأمومة كما تخيلتها. توفي ابنها بعد الولادة مباشرة. وبينما كانت تواجه ألم الفقدان، تلقت إخطارا من مؤسستها بضرورة العودة إلى العمل بعد شهر واحد فقط. لم تكن حنان تعلم أن القانون التونسي يتضمن حكماً خاصاً لحماية النساء في حالة وفاة المولود. عرفت ذلك صدفة حين نبهتها صديقة، فلجأت إلى محامية وتثبتت من حقها قبل أن تُعلم إدارتها.تطرح قصتها السؤال المركزي لهذا التحقيق: ماذا يحدث عندما لا تعرف المرأة حقها القانوني؟ وكيف يتحول الجهل بالنص إلى أداة تُحرم بسببها النساء من فترة التعافي المستحقة؟بعد عامين من دخول قانون عطل الأمومة والأبوة حيز التنفيذ، يقيس هذا التحقيق المسافة بين النص والواقع: المعرفة بالحق، وطبيعة القطاع (عام أو خاص)، والاستقرار المهني. ويركز على الأمهات في الحالات الصحية والنفسية الاستثنائية.

الإطار التشريعي: ماذا يمنح القانون في الحالات الاستثنائية؟

أقر القانون عدد 44 لسنة 2024 وصدر بالرائد الرسمي في 12 أوت 2024، بعد مصادقة مجلس نواب الشعب عليه في جلسة 31 جويلية 2024. ويسري على أعوان الوظيفة العمومية والقطاع العام المنخرطين بالصندوق الوطني للتقاعد والحيطة الاجتماعية (CNRPS)، وعلى الأجراء وغير الأجراء في القطاع الخاص بشرط الانخراط والتصريح لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي (CNSS).

ولم يكتف القانون بتحديد عطلة موحدة للأم، بل أقر فترات مختلفة بحسب ظروف الولادة ووضعية المولود، كما نظم لأول مرة بصورة أوضح عطلة الأب في الحالات العادية والاستثنائية.

فما الذي تغير تحديدا؟ وما المدة التي يمنحها القانون للأم والأب في كل حالة، من الولادة العادية إلى الولادة المبكرة، ومن ولادة التوائم إلى الحالات التي تستوجب رعاية خاصة، وصولا إلى وفاة المولود؟

يوضح الرسم التالي أبرز الحقوق التي أقرها القانون للأم والأب، والمدة المخصصة لكل حالة:

 العطلة واحدة والتعويض مختلف

توحّدت المدة بين القطاعين، لكن الأجر لم يتوحد. وفق تحليل مؤسسة فريدريش إيبرت (أكتوبر 2024)، تتقاضى الأم في القطاع العام أجرها كاملاً خلال العطلة، بينما تتقاضى الأم في القطاع الخاص منحة من الضمان الاجتماعي تساوي ثلثي الأجر اليومي المتوسط، بسقف يعادل ضعف الأجر الأدنى، ودون مساهمة من المؤجر.

ويُضاف شرط إداري: يجب تقديم طلب المنحة خلال شهر من الولادة، وهو شهر تقضيه الأم في أصعب مراحل ما بعد الوضع. وقبل القانون كانت الأم في القطاع الخاص تتمتع بأربعة أسابيع فقط، أي أقل من الحد الأدنى الدولي.

للمقارنة، تنص اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 183 على 14 أسبوعاً على الأقل بثلثي الأجر. بلغ القانون التونسي هذا الحد في المدة، وبقي الفرق قائماً في صيغة التعويض بين القطاعين.

على عكس تجربة حنان، تمثل قصة زينب (27 سنة)، الموظفة بالقطاع العام، الوجه الذي نجح فيه النص في تحقيق غايته. أنجبت زينب سنة 2025 طفلاً خديجاً استوجب عناية طبية مركزة ومتابعة دقيقة بعد الخروج من المستشفى، وانتفعت بكامل العطلة الممتدة: أربعة أشهر.

“عندما ولدت ابني قبل موعده، لم تكن أصعب مرحلة هي الولادة نفسها، بل الأيام والأسابيع التي تلتها. كان يحتاج إلى متابعة دقيقة، وإلى مواعيد طبية متكررة، وكنت أعيش باستمرار على الخوف من أن تطرأ عليه مضاعفات جديدة. بعد خروجه من المستشفى، لم يكن بإمكاني أن أتعامل معه كأي طفل حديث الولادة؛ كان يحتاج إلى عناية ومراقبة أكثر، وكنت أحتاج أنا أيضاً إلى الوقت حتى أستعيد عافيتي وأستطيع الاعتناء به.أربعة أشهر كانت بالنسبة لي مهمة جداً. لم أشعر أنني مضطرة إلى الاختيار بين عملي وبين ابني، أو أن أعود إلى العمل قبل أن أكون مستعدة لذلك. كنت أعرف أن لدي فترة قانونية أستطيع خلالها أن أرافقه، وأن أكون حاضرة في مواعيده الطبية وأتابع تطور حالته من دون أن أفكر كل يوم في موعد عودتي إلى العمل. قبل أن أنتفع بالعطلة، لم أكن أتصور فعلاً كم يمكن لشهر إضافي أن يصنع فرقاً. لكن عندما عشت التجربة، فهمت أن الشهر الرابع ليس مجرد مدة إضافية، بل وقت تحتاجه الأم فعلاً عندما يكون طفلها خديجاً. في تلك الفترة كنت أحتاج إلى أن أكون معه، وأن أتابع حالته، وأن أستعيد توازني بعد الولادة.لو كانت العطلة ثلاثة أشهر فقط، لكان الضغط أكبر بكثير، خاصة مع استمرار حاجة ابني إلى المتابعة. القانون أعطاني شيئاً أساسياً: الوقت. والوقت في حالة طفل خديج ليس رفاهية، بل جزء من الرعاية نفسها.لذلك أعتبر أن استفادتي من أربعة أشهر لم تكن مجرد عطلة من العمل، بل كانت فرصة لأكون أماً حاضرة في فترة كان ابني يحتاجني فيها أكثر من أي وقت آخر”
— زينب، 27 سنة، موظفة بالقطاع العام

تؤكد شهادة زينب أن إضافة الشهر الرابع لم تكن مجرد تمتيع بإجازة. إنها اعتراف رسمي بأن رعاية طفل خديج حالة استثنائية تستوجب تفرغاً وتعاملاً خاصاً.

أرقام من السياق الصحي

وليس الشهر الرابع ترفا إذا نظرنا إلى ما تقوله الدراسات التونسية عن الولادة المبكرة وعن مصير الرضع في أيامهم الأولى. هذه الأرقام لا تخص حالة زينب بعينها، بل ترسم الخلفية التي تفسّر حاجة أم الخديج إلى وقت إضافي:

  • 5.6%: نسبة الولادات المبكرة (قبل الأسبوع 37 من الحمل) بين 161 ألف ولادة في ولاية المنستير بين 1994 و2012، وفق دراسة نشرتها المجلة الصحية لشرق المتوسط التابعة لمنظمة الصحة العالمية.

  • 32%: نسبة الوفيات داخل المستشفى بين الرضع الخدج جداً، في دراسة أُجريت على وحدة عناية واحدة ونشرتها مجلة «تونس الطبية». وتُرجع الدراسة هذا الارتفاع أساساً إلى صعوبات التنفس لدى هؤلاء الرضع.

  • 28‰: تقدير للوفيات المحيطة بالولادة في تونس، أي 28 حالة في كل ألف ولادة، منها 15 في الألف ولادات ميتة، بحسب دراسة منشورة في «تونس الطبية».

تُظهر هذه المعطيات أن الولادة المبكرة قد تعني أسابيع طويلة من العناية المركزة ثم متابعة دقيقة في البيت، وهي مهمة لا تُنجز في ثلاثة أشهر دائماً. ولهذا يكتسب تمديد العطلة إلى أربعة أشهر معناه الفعلي.

تظهر المفارقة جليّة عند وضع التجربتين جنباً إلى جنب؛ فقد استفادت زينب من كامل حقوقها بفضل بيئة مهنية واعية ومعرفة قانونية متوفرة، بينما كانت حنان على وشك العودة إلى العمل بعد شهر واحد فقط من وفاة مولودها لولا التدخل الحاسم لصديقتها التي نبّهتها إلى حقها المهدور، لتصرخ حنان بحسرة: «لكنني لم أكن أعرف حقي». تُثبت هذه التجربة أن الحماية التشريعية، على أهميتها، تبقى ناقصة وغير كافية ما لم تقترن بوعي المرأة العاملة وبشفافية الإجراءات الإدارية داخل المؤسسات، ولا سيما في القطاع الخاص.

وعلى المستوى التشريعي، يمنح القانون الأم عطلة مدتها شهر واحد فقط في حالة ولادة مولود ميت، وهو ثغرة قانونية وحقوقية ترى فيها المحامية محبوبة الزاير عدم تكافؤ صارخ بين المنظومة التشريعية والواقع الميداني، مؤكدة أن “النصوص القانونية الحالية المتعلقة بعطل الأمومة والولادة -ولاسيما في حالات الفقدان- ما زالت تتعامل مع المسألة وفق مقاربة إدارية بحتة تغفل الجوانب الإنسانية والصحية المركبة. فالقانون حين يكتفي بمنح الأم شهراً واحداً عند وفاة مولودها، فإنه يعتبر الضرر جسدياً مؤقتاً ينتهي بمرور أسابيع معدودة، دون مراعاة لتداعيات الصدمة أو ضمان آليات مرافقة حقيقية تحمي المرأة من الشطط الإداري أو الضغوطات في القطاع الخاص، حيث تُترك الأجراءات غالباً لتقدير الإدارة أو مدى دراية العاملة بنصوص مجلة الشغل”.

هذا الواقع القانوني يطرح تساؤلا ميدانياً يفرض نفسه: ماذا يعني شهر واحد لامرأة خرجت للتو من تجربة ولادة شاقة وتواجه في الآن نفسه صدمة فاجعة لفقدان طفلها؟ ورغم أن حنان عادت إلى العمل بعد شهرين عقب استكمال العطلة وتفهم إدارتها، محاولةً تناسي ألم الفقدان عبر الانغماس في المشاغل المهنية، فإن الإشكال يتجاوز الترتيبات الإدارية ليمتد إلى عمق البعد النفسي ومدى كفاية المهل القانونية لتجاوز آثار هذه الصدمة المركبة.

وهو ما تؤكده الأخصائية النفسية إيناس بن سليمة، مشيرةً إلى أن التجربة النفسية التي تمر بها الأم بعد فقدان مولودها تُصنّف علمياً ضمن أقسى درجات الصدمة النفسية المركّبة، حيث توضح أن “فقدان المولود لا يُعد مجرد حادثة طبية عابرة، بل هو قطع قسري ومباغت لمسار الارتباط العاطفي والنفسي الذي تتشكّل أركانه طيلة أشهر الحمل. وما تُعرف بـ ‘صدمة الحداد الأمومي’ (Maternal Grief) لا تنتهي بانتهاء العوارض الجسدية للولادة؛ فالأم تخوض في هذه المرحلة تقلبات هرمونية ونفسية حادة تضعها في حالة إجهاد نفسي كلي. وإن إجبار الأم على العودة الميدانية والمهنية بعد شهر واحد فقط يضعها أمام مواجهة مبكرة مع بيئة غير مهيأة لاستيعاب حزنها، مما يُضاعف خطر الإصابة باكتئاب ما بعد الولادة الجسيم والتكيّف القسري، ويحول دون اكتمال دورة الحداد الطبيعية. إن التعافي النفسي يتطلب مراعاة الخصوصية الفردية لكل امرأة، ووجود سند مؤسسي ونفسي يتيح لها الوقت الكافي للاستيعاب والالتئام قبل إعادة دمجها في الدورة الاقتصادية والمهنية“.

القطاع الخاص: صراع الحماية بين الإثبات التشريعي ورهان الاستقرار الوظيفي

لا يمكن القول إن التشريعات الحالية تقر الحماية لكافة العاملات بالقدر نفسه، إذ يظل نطاق تطبيق القانون في القطاع الخاص مقيداً بشرط الانخراط والتصريح الفعلي لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي (CNSS). وفي هذا الفضاء المهني المعقد، تجلس آلاف النساء أمام ملفات عملهن يومياً تحت وطأة الخوف الدائم من الضغوط الإدارية أو التعرض لفقدان الوظيفة، وهو ما يقلل عملياً من القدرة على الاستفادة الفعلية من العطل والمكتسبات المتاحة حقوقياً. وفي هذا الصدد، تشير المحامية محبوبة الزاير إلى أن القانون يحظر صراحة في فصله العاشر تسليط أي عقوبات مهنية أو اتخاذ قرارات تسريح لأسباب مرتبطة بالحمل أو الولادة أو الرضاعة، غير أن الإشكال العملي الميداني يرتكز على ثلاثة تحديات هيكلية رئيسية: أولها مدى قدرة العاملة في القطاع الخاص على الإثبات القانوني للعلاقة المباشرة بين التضييق المهني ووضعها الصحي، وثانيها حاجز الخوف النفسي من الإضرار بمسارها الوظيفي مما يدفع الكثيرات للقبول بشرط المؤجر الضمني والتخلي عن المطالبة بالعطل الممتدة، أما ثالثها فيتجلى في التباين الهيكلي في قيمة التعويض المالي وسرعة صرف المنح لدى صندوق الضمان الاجتماعي مقارنة بامتيازات القطاع العام.

وتتجلى خلفية هذا الواقع الهش بالنظر إلى المعطيات المركبة لسوق الشغل لعام 2025؛ حيث تظهر المؤشرات الصادرة عن البنك الدولي تفاوتًا صارخًا بين الجنسين، إذ تبلغ نسبة نشاط النساء 26.5% فقط مقابل 64.9% للرجال، في حين ترتفع نسبة البطالة بين النساء لتصل إلى 20.4% مقارنة بـ 12.8% لدى الرجال، مع تسجيل تقديرات أرجحت نسبة نشاط النساء عند 27.7% في الربع الأخير من السنة ذاتها، بينما تعكس تقديرات صحفية وتحليلية أخرى رقماً أعلى لنسبة النشاط نتيجة اختلاف التعاريف الإحصائية المعتمدة للعمل. ويستوجب هذا المشهد الاقتصادي قراءة دقيقة لحجم التعويضات والمنح المصرح بها لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي خلال العامين الأخيرين، للوقوف على المدى الحقيقي لنفاذ النساء لأبسط حقوقهن الاجتماعية والمالية أثناء فترات الأمومة والفقدان.

التقاطعية بين الإعاقة والتشريع: نحو ترتيبات تيسيرية تتجاوز منطق العطل

لا تتوقف حماية الأمومة عند تحديد مدة العطلة، بل تمتد إلى قدرة المرأة على العودة إلى عملها والاستمرار فيه دون أن تتحول احتياجاتها الخاصة إلى مصدر جديد للتمييز. وتكتسب هذه المسألة بعدا أكثر تعقيدا بالنسبة إلى النساء ذوات الإعاقة، اللواتي قد يحتجن إلى ترتيبات تيسيرية تضمن لهن ممارسة حقوقهن في العمل والأمومة على قدم المساواة مع غيرهن.

وتوضح بسمة السوسي، نائبة رئيس جمعية إبصار، أن القانون لا يمنح العطلة الممتدة إلى أربعة أشهر لمجرد كون الأم نفسها حاملة لإعاقة، وإنما يربط هذه الاستفادة بحالة الطفل المولود، عندما يكون حاملا لإعاقة أو تشوهات خلقية تستوجب رعاية خاصة أو تدخلا طبيا مستمرا. وبذلك، فإن وضعية الأم ذات الإعاقة لا تشكل في حد ذاتها سببا للانتفاع بالعطلة الاستثنائية المنصوص عليها في القانون.

لكن، بالنسبة إلى السوسي، لا تختزل حماية أمومة النساء ذوات الإعاقة في مدة العطلة القانونية. فهي ترى أن العودة إلى العمل قد تفرض احتياجات إضافية تتطلب ترتيبات تيسيرية فعلية، من بينها توفير بيئة عمل ملائمة، وتسهيلات مرتبطة بالتنقل، وظروف مناسبة للرضاعة، بما يسمح للمرأة بمواصلة عملها دون أن تجد نفسها أمام عوائق إضافية بسبب إعاقتها.

وتزداد أهمية هذه المسألة في ضوء الحقوق التي أقرها القانون المتعلق بالرضاعة وحماية الأم من التمييز بسبب الحمل أو الولادة أو فترات الرضاعة. فالنص لا يكتفي بمنح عطلة قبل الولادة وبعدها، وإنما يقر أيضا آليات تمكن الأم من مواصلة الرضاعة بعد عودتها إلى العمل، وفق الشروط والآجال التي يحددها القانون. غير أن استفادة النساء ذوات الإعاقة من هذه الحقوق تظل، بحسب السوسي، مرتبطة بمدى قدرة أماكن العمل على توفير الترتيبات التيسيرية التي تجعل الحق قابلا للممارسة فعليا.

وهنا تكشف حالة النساء ذوات الإعاقة عن فجوة أوسع بين الاعتراف القانوني بالحق وبين شروط ممارسته: فالمساواة لا تتحقق بمجرد منح المرأة العطلة نفسها، وإنما تتطلب أيضا إزالة العوائق التي قد تواجهها عند العودة إلى العمل. ومن ثم، فإن حماية الأمومة بالنسبة إلى النساء ذوات الإعاقة تطرح سؤالا يتجاوز مدة العطلة: هل تهيئ أماكن العمل فعلا الظروف التي تمكنهن من العودة والاستمرار دون تمييز أو تهميش؟

استبيان التحقيق: هل تعرف النساء حقوقهن وهل انتفعن بها؟

لقياس مدى وصول الحق القانوني إلى مستحقيه في الواقع الميداني، أجرى هذا التحقيق استبياناً استطلاعياً شمل عينة مصغرة تتكون من 40 امرأة عاملة، تتوزع بين القطاع العام (21 امرأة)، والقطاع الخاص (19 امرأة)، من بينهن 10 أمهات واجهن ظروفاً صحية ونفسية استثنائية (ولادة طفل خديج، أو وفاة المولود، أو ولادة طفل حامل لإعاقة).
وتُظهر النتائج الأولية تفاوتاً ملحوظاً في مدى معرفة النساء بحقوقهن القانونية وقدرتهن على ممارستها بين القطاعين؛ إذ أعربت غالبية المستجوبات في القطاع العام عن علمهن المسبق بتفاصيل القانون عدد 44 لسنة 2024 وتمكنهن من الاستفادة بكامل الإجازة بمرتب كامل. في المقابل، كشفت إجابات النساء في القطاع الخاص عن ضبابية في معرفة الشروط الإدارية الخاصة بالحالات الاستثنائية (مثل تقديم التقارير الطبية في الأجل القانوني)، إلى جانب إعراب جزء منهن عن مخاوف من التأثير السلبي لطلب العطل الممتدة على استقرارهن الوظيفي أو التأخر في صرف المنحة التعويضية من الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي (CNSS).
تنبيه منهجي: نظرًا لأن العينة الميدانية تقتصر على 40 امرأة، فإن هذه النتائج تُقدم مؤشرات استكشافية نوعية عن الواقع الميداني ولا تُعبر عن تعميم إحصائي شامل على كامل التلمس الديمغرافي في تونس. لذلك، تُعرض البيانات بالأرقام المطلقة إلى جانب النسب المئوية للاسترشاد.

التقييم البرلماني: موقف التشريع

في تقييمه لمسار تطبيق القانون بعد عامين من دخوله حيز التنفيذ، يرى النائب يوسف طرشون أن القانون عدد 44 لسنة 2024 يمثل مكسبا مهما في مجال حماية الأمومة والأبوة، لكنه يشدد على أن المرحلة المقبلة تقتضي تقييم مدى تطبيقه فعليا، ولا سيما بالنسبة إلى العاملات في وضعيات مهنية هشة أو في قطاعات لا تزال تواجه صعوبات في إنفاذ الحقوق الاجتماعية.

ويضع طرشون هذا المكسب في سياقه التاريخي، مؤكدا أن القانون لم يأت من فراغ، وإنما كان ثمرة نضالات نسوية متراكمة من أجل تطوير التشريع المتعلق بحقوق النساء والأمومة والعمل. كما يشير إلى الدور الذي قامت به منظمة «صحفيون من أجل حقوق الإنسان» في الدفع نحو هذا المسار، معتبرا أن المبادرة التي انطلقت منها المنظمة ساهمت في فتح النقاش حول ضرورة مراجعة منظومة عطلة الأمومة والأبوة وتطويرها.

ويؤكد طرشون أن الاعتراف التشريعي بالحق يمثل خطوة أساسية، لكن قيمته النهائية تقاس بمدى وصوله إلى مستحقيه وقدرة العاملات على الانتفاع به دون خوف أو عراقيل. لذلك، فإن تقييم القانون بعد عامين، من وجهة نظره، يجب ألا يقتصر على النصوص والإجراءات، بل أن يشمل الواقع المهني والاجتماعي للنساء، حتى لا تتحول الحماية التي أقرها القانون إلى حقوق موجودة على الورق يصعب ممارستها في الحياة اليومية.

بعد عامين، لم يعد السؤال ما إذا كانت تونس قد أقرت حقا جديدا للأمهات والآباء. فقد أصبح القانون واقعا تشريعيا، ووسع مدة عطلة الأمومة، وأقر حماية أوضح للأمهات في حالات خاصة، من بينها الولادة المبكرة، والإعاقة أو التشوهات الخلقية التي تستوجب رعاية خاصة، ووفاة المولود، كما عزز حق الأب في العطلة. وهي مكاسب لم تكن متاحة بهذه الصيغة قبل صدور القانون.لكن وجود الحق في النص لا يعني بالضرورة أن الوصول إليه متاح بالقدر نفسه للجميع.
زينب استطاعت أن تستخدم القانون عندما ولد طفلها خديجا، وحصلت على الأشهر الأربعة التي مكنتها من مرافقة طفلها في فترة كانت فيها الرعاية والمتابعة الطبية في صدارة حياتها. أما حنان، فلم تعرف بحقها في حالة وفاة مولودها إلا بعد أن أخبرتها صديقة، واضطرت إلى الاستعانة بمحامية حتى تتمكن من تثبيت حقها. وبين التجربتين تظهر مسافة لا يقيسها النص القانوني وحده: مسافة المعرفة بالحقوق، والقدرة على المطالبة بها، والاستقرار المهني، وطبيعة علاقة العاملة بمؤسستها، والقطاع الذي تعمل فيه.وهذا لا يلغي أثر القانون، بل يكشف أهمية المرحلة التي تأتي بعد صدوره. فكلما أصبح الحق معروفا وقابلا للمطالبة به دون خوف أو عوائق إدارية ومهنية، اقترب التشريع من تحقيق الغاية التي وضع من أجلها.
لذلك لا ينتهي اختبار قانون الأمومة والأبوة عند عدد أشهر العطلة، بل يبدأ عند المرأة التي تحتاج إليها فعلا: أم طفل خديج، أم فقدت مولودها، أم تواجه احتياجات خاصة مرتبطة بإعاقة، أو عاملة في مؤسسة خاصة تخشى أن تتحول مطالبتها بحقها إلى مصدر توتر أو تهديد لاستقرارها المهني.وبعد عامين، يمكن القول إن تونس قطعت خطوة تشريعية مهمة نحو حماية أكبر للأمومة والأبوة وتوحيد مدة العطلة بين القطاعين. لكن اكتمال هذا المكسب يظل مرتبطا بقدرة النساء والآباء على معرفة حقوقهم وممارستها فعليا، وبقدرة المؤسسات على تطبيقها دون تمييز أو انتقاص.
فنجاح القانون لا يقاس فقط بما كتبه المشرع، وإنما أيضا بعدد الأمهات اللواتي يعرفن حقهن، ويستطعن المطالبة به، ويحصلن عليه في الوقت الذي يحتجن إليه. ومن هنا تبدأ المرحلة التالية: أن ينتقل الحق من صفحات الجريدة الرسمية إلى حياة النساء اليومية، وأن يصبح الانتفاع به أمرا عاديا لا امتيازا لمن تعرف كيف تطالب به.

بقلم :نجوى الهمامي 

LIVEإذاعة السيدة - Essaida FM 89.2
حقوق الناس