• الخميس. أبريل 16th, 2026

إذاعة السيدة - Essaida FM

أول إذاعة تهتم بنشر ثقافة حقوق الإنسان

الوساطة في تونس: حلّ لتخفيف ضغط المحاكم أم إعادة توزيع غير متكافئ للعدالة؟

أبريل 16, 2026

في وقت تتزايد فيه الانتقادات الموجهة لبطء القضاء وتعقيد إجراءاته في تونس، تتقدم الوساطة والتحكيم تدريجيًا باعتبارهما “حلًا بديلًا” يُفترض أنه أكثر سرعة وفعالية وأقل كلفة. لكن خلف هذا الخطاب التقني، يبرز سؤال أكثر حساسية: هل نحن أمام إصلاح حقيقي لمنظومة العدالة، أم أمام إعادة صياغة لطريقة الوصول إليها بما يخفف العبء عن المحاكم على حساب توازنات العدالة نفسها؟

الأرقام، وإن كانت غير مكتملة على المستوى الوطني، تعكس سياقًا ضاغطًا: آلاف القضايا المتراكمة سنويًا داخل المحاكم، وآجال تقاضٍ قد تمتد لسنوات في بعض الملفات المدنية والتجارية. في المقابل، يُقدَّم الحل البديل عبر الوساطة باعتباره مسارًا قادرًا على تقليص الزمن القضائي بشكل كبير، كما تُظهر تجارب مقارنة أوروبية حيث يمكن أن تنخفض آجال النزاع من أكثر من سنة إلى بضعة أشهر، مع نسب تسوية تتجاوز أحيانًا 50% إلى 70% في بعض المجالات.

لكن هذا “النجاح الرقمي” يثير بدوره جدلًا متصاعدًا: هل تقاس العدالة بسرعة الحل أم بإنصاف النتيجة؟

عندما تتحول الوساطة إلى سياسة لتصفية القضايا

في قراءة نقدية لهذا التحول، يحذر الباحث في علم الاجتماع القانوني جاك فاجي (CNRS – مركز إميل دوركهايم) من اختزال الوساطة في دورها الوظيفي داخل سياسة تخفيف الضغط القضائي. ويؤكد أن “الخطر لا يكمن في الوساطة نفسها، بل في استخدامها كأداة لإدارة تدفق القضايا بدل أن تكون فضاءً حقيقيًا للتسوية”. وذلك خلال تصريحه لاذاعة السيدة اف ام على هامش  أشغال الندوة الدولية حول “العدالة البديلة” بقصر الأكاديمية التونسية للعلوم والآداب والفنون “بيت الحكمة”

ويضيف أن هذا التحول قد يؤدي إلى ما يشبه “انزياحًا وظيفيًا” يجعل الهدف الأساسي هو تقليص الملفات بدل ضمان عدالة تفاوضية متوازنة. والأهم، بحسبه، أن الحق في اللجوء إلى قاضٍ والحصول على حكم ملزم يجب أن يبقى ضمانة أساسية لا يمكن أن تتآكل تحت ضغط النجاعة الإدارية.

وفي نقطة أكثر حساسية، يلفت فاجي إلى أن الوساطة تُقدَّم غالبًا كفضاء محايد، بينما الواقع يكشف أنها قد تعيد إنتاج اختلالات القوة بين الأطراف. وتشير دراسات مقارنة إلى أن تفاوت الموارد الاقتصادية والخبرة القانونية يمكن أن يؤثر بشكل مباشر على نتائج التسوية في نسبة مهمة من الحالات، ما يجعل “التوافق” في بعض الأحيان نتيجة غير متكافئة أكثر منه تعبيرًا عن رضا متبادل.

تونس: بين توسع قانوني محدود وممارسة غير مستقرة

في السياق التونسي، لا تزال الوساطة في طور التشكّل. فهي موجودة ضمن الإطار القانوني، وتحضر بشكل أوضح في النزاعات التجارية وبعض الملفات المهنية، لكنها لم تتحول بعد إلى ثقافة قضائية عامة أو خيار أول لدى المتقاضين.

وتشير تقديرات مهنية إلى أن اللجوء إلى الوساطة ما يزال محدودًا مقارنة بالتقاضي المباشر، وهو ما يعكس فجوة بين الخطاب الرسمي الداعم لتطوير “البدائل” وبين الواقع العملي داخل المحاكم.

في هذا الإطار، ترى الأستاذة سعاد باباي-يوسف، أستاذة القانون بكلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس – جامعة المنار، وخبيرة في الوساطة والتحكيم، أن الوساطة لا يمكن فهمها كبديل عن القضاء، بل كـ“عدالة موازية” تعيد توزيع وظائف العدالة داخل المجتمع. لكنها تؤكد في المقابل أن الإطار القانوني الحالي لا يزال غير مكتمل، نظرًا لتشتت النصوص وتفاوت تطبيقها، وهو ما يستدعي مراجعة تُعزّز الوضوح وتكرّس الضمانات، دون الإخلال بمرونة الوساطة وخصوصيتها.

وتضيف أن التحول نحو الوساطة في تونس لا يرتبط فقط بالإصلاح القانوني، بل أيضًا بتغيرات اجتماعية أعمق، من بينها تراجع الثقة في بطء القضاء وتعقد العلاقات الاقتصادية، إلى جانب صعود ثقافة الحلول السريعة. لكنها تحذر في الآن نفسه من اختزال الوساطة في منطق السرعة، معتبرة أن “الحل السريع ليس بالضرورة حلًا عادلًا أو مستقرًا”.

العدالة التجارية

في النزاعات التجارية، تتخذ الوساطة بعدًا أكثر حساسية، لأنها ترتبط مباشرة بمناخ الاستثمار وسرعة المعاملات الاقتصادية. غير أن هذا البعد قد يدفع نحو تقديم النجاعة على حساب التوازن.

وتؤكد باباي أن الهدف من الوساطة التجارية ليس إنهاء النزاع بأي ثمن، بل إنتاج تسوية قابلة للتنفيذ ومستقرة قانونيًا، تمنع إعادة إنتاج الخلاف لاحقًا. وتضيف أن “السرعة إذا لم تكن مرفوقة بضمانات، قد تتحول إلى عامل هشاشة قانونية بدل أن تكون عنصر قوة”.

كما تبرز إشكالية أخرى لا تقل أهمية وهي  تفاوت القوة بين الأطراف. ففي كثير من الحالات، لا يكون المتنازعون في موقع تفاوضي متكافئ، وهو ما قد يؤدي إلى نتائج تبدو توافقية لكنها تعكس في العمق اختلالًا في موازين القوة.

الوساطة ليست فضاء محايدا بالكامل

هذا التوتر بين التوافق الظاهري والعدالة الفعلية يجد صداه في التحليل السوسيولوجي. فالأستاذ محمد ناشي، أستاذ الأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع، يعتبر أن الوساطة لا يمكن فصلها عن التحولات الأوسع في تصور المجتمع للعدالة.ويشير إلى أن هناك انتقالًا تدريجيًا من منطق “حسم النزاع” إلى منطق “تسويته”، وهو تحول يعكس تغيرًا في علاقة الأفراد بالمؤسسات القانونية، وفي طريقة فهمهم للعدالة نفسها. لكنه يضيف أن الوساطة تؤدي أيضًا وظيفة اجتماعية أعمق تتمثل في إعادة إنتاج الروابط بدل قطعها.

غير أن هذا التحول، بحسبه، لا يزال غير مكتمل في تونس، حيث تبقى الوساطة ممارسة محدودة النطاق ولم تتحول بعد إلى ثقافة قضائية راسخة أو خيار تلقائي داخل الذهنية القانونية.

التجارب المقارنة: أرقام لافتة لكن غير كافية

في أوروبا، أصبحت الوساطة جزءًا من سياسات العدالة الحديثة. ففي فرنسا، تُظهر تقارير وزارة العدل الفرنسية وهيئات الوساطة المعتمدة أن نسب النجاح في بعض إجراءات الوساطة تتراوح بين 55% و60%، وقد تصل إلى حدود 70% في النزاعات الأسرية، خاصة في الحالات التي يتم فيها اللجوء إلى الوساطة المبكرة.

كما تُظهر تقارير مقارنة أن اللجوء إلى الوساطة قد يساهم في تخفيض كلفة النزاع بنسبة كبيرة مقارنة بالتقاضي التقليدي، إضافة إلى نسب رضا مرتفعة لدى المتقاضين.لكن هذه الأرقام، رغم جاذبيتها، لا تجيب عن السؤال الأهم: هل تعني السرعة والكلفة الأقل عدالة أفضل، أم مجرد إدارة أكثر كفاءة للنزاع؟

تكشف تجربة الوساطة في تونس، كما في التجارب المقارنة، عن توتر بنيوي بين منطقين متعارضين: منطق إداري يسعى إلى تقليص الزمن وتخفيف الضغط عن المحاكم، ومنطق قانوني-اجتماعي يركز على الإنصاف وتوازن القوى بين الأطراف.وفي هذا التوتر تحديدًا تتحدد ملامح المرحلة القادمة للعدالة في تونس: هل ستتجه نحو عدالة تفاوضية أكثر نجاعة، أم نحو إعادة إنتاج أشكال جديدة من اللامساواة داخل آليات يفترض أنها بديلة وأكثر إنصافًا؟ما هو مؤكد إلى الآن أن الوساطة ليست مجرد تقنية إجرائية، بل إعادة طرح كاملة لسؤال العدالة: من يقرر؟ وبأي شروط؟ ولصالح من؟