يشكّل معرض تونس الدولي للكتاب 2026، الذي يُنتظر أن تُفتح أبوابه من 23 أفريل إلى 3 ماي 2026 بقصر المعارض بالكرم، لحظة ثقافية تتجاوز طابعها السنوي المعتاد لتتحول إلى حدث يعيد طرح أسئلة جوهرية حول موقع الكتاب في تونس، وحول مستقبل الفعل الثقافي في زمن التحولات الرقمية المتسارعة. فهذه الدورة لا تأتي فقط بوصفها موعدًا قارًا في الأجندة الثقافية، بل باعتبارها محطة رمزية تحتفي بأربعين سنة من عمر تظاهرة رسّخت حضورها كأحد أهم المعارض في المنطقة العربية والإفريقية.
تكتسب هذه الدورة أهمية إضافية لأنها تُفتتح رسميًا يوم 23 أفريل على أن تفتح أبوابها للجمهور ابتداءً من 24 أفريل، في تنظيم يعكس الطابع الاحتفالي والمؤسساتي للمعرض في آن واحد. غير أن الأهم من ذلك هو ما تحمله الأرقام المعلنة من دلالات عميقة، إذ يُنتظر أن يضم المعرض أكثر من 148 ألف عنوان، وهو رقم يعكس ثراء الإنتاج الفكري وتنوعه، لكنه في الوقت نفسه يطرح سؤالًا ضمنيًا حول قدرة هذا الكمّ الهائل من الكتب على إيجاد قارئ في بيئة قرائية تعرف تحولات عميقة.
في تصريح رسمي، أوضح مدير المعرض محمد صالح القادري أن هذه الدورة تتميز بحضور دولي واسع، حيث يشارك فيها 37 دولة، إلى جانب 394 عارضًا، من بينهم 213 عارضًا من بلدان عربية وأجنبية. هذا البعد الدولي لا يعكس فقط انفتاح المعرض على تجارب ثقافية متعددة، بل يؤكد أيضًا سعيه إلى ترسيخ موقع تونس كفضاء للقاء الثقافات وتبادل المعرفة، في سياق إقليمي يشهد تنافسًا متزايدًا بين التظاهرات الثقافية الكبرى.
وفي قلب هذا الحراك، تبرز إندونيسيا كضيفة شرف لهذه الدورة، حاملة معها برنامجًا ثقافيًا وفنيًا متنوعًا يعرّف الجمهور التونسي والعربي على ثراء تجربتها الإبداعية. حضور إندونيسيا لا يكتفي بالبعد البروتوكولي، بل يتجاوز ذلك إلى تقديم عروض فنية ولقاءات أدبية تسعى إلى بناء جسر ثقافي بين جنوب شرق آسيا والمغرب العربي، وهو ما يمنح هذه الدورة بعدًا عالميًا أكثر وضوحًا.
لكن المعرض، رغم هذا الامتداد الدولي، يظل مرتبطًا في جوهره بسؤال الثقافة المحلية. فالأرقام الكبيرة التي يعلن عنها، سواء على مستوى العناوين أو العارضين، لا تخفي التحديات التي تواجه صناعة الكتاب في تونس، من تراجع القدرة الشرائية إلى التحولات العميقة في عادات القراءة. وهنا يصبح المعرض ليس فقط مساحة للعرض، بل مرآة دقيقة لواقع ثقافي واقتصادي معقد.
وفي هذا السياق، يلفت البرنامج الثقافي لهذه الدورة الانتباه إلى محاولة واضحة لمواكبة التحولات الراهنة، خاصة من خلال التركيز على قضايا معاصرة مثل علاقة الرواية بالسينما، وتجديد أشكال الكتابة وتوظيف التراث، إلى جانب ملف بالغ الأهمية يتعلق بمهن الكتاب في ظل التحولات الرقمية. إذ يتم التطرق، لأول مرة بهذا الحجم، إلى تأثير الذكاء الاصطناعي على مختلف مراحل إنتاج الكتاب، من المؤلف إلى القارئ، وهو ما يعكس إدراكًا متزايدًا بأن مستقبل الكتاب لم يعد منفصلًا عن الثورة التكنولوجية.
كما خُصص للطفل برنامج موسع يعكس وعيًا بأهمية بناء علاقة مبكرة مع القراءة. إذ يتضمن هذا البرنامج 216 نشاطًا موزعة على 7 أجنحة، تؤمنها 75 مؤسسة، في محاولة لخلق تجربة ثقافية تفاعلية تمزج بين الترفيه والتعليم، وتستجيب لتغير أنماط التلقي لدى الأجيال الجديدة. هذا البعد يكتسي أهمية خاصة، باعتباره استثمارًا طويل المدى في مستقبل القراءة ذاته.
ورغم الطابع الاحتفالي الذي يرافق هذه الدورة، يبقى السؤال الأهم معلقًا حول قدرة المعرض على تجديد نفسه باستمرار. فالمعارض الثقافية لم تعد تقاس فقط بحجم المشاركة أو عدد العناوين، بل بقدرتها على خلق معنى ثقافي حقيقي، وعلى تحويل الكتاب من سلعة معروضة إلى أداة تفكير ونقاش عام. وهنا تحديدا يكمن الرهان الحقيقي لهذه الدورة الأربعين: أن تتحول من مجرد احتفال بالكتاب إلى مساحة لإعادة تعريفه.
في النهاية، يبدو أن هذه الدورة من معرض تونس الدولي للكتاب تقف عند تقاطع دقيق بين الذاكرة والمستقبل؛ بين أربعين عامًا من التراكم الثقافي، وأسئلة ملحّة يفرضها العصر الرقمي. وبين هذا وذاك، يظل الكتاب حاضرًا، لا بوصفه أثرًا من الماضي، بل باعتباره مشروعًا مفتوحًا على احتمالات لا تنتهي.