حين لا تفهم الخوارزمية الدارجة: كيف تستغل حملات التضليل في تونس فجوة الذكاء الاصطناعي؟

صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي جيميني
في مايو 2024، وجدت سعدية مصباح نفسها أمام باب منزلها بينما يحمل أعوان الأمن أوامر تفتيش لمنزلها ومقر جمعيتها. قبل ذلك بستة أيام فقط، لم يكن اسمها يتصدر شيئا سوى نشاطها الحقوقي الهادئ في مناهضة العنصرية. ثم، خلال أقل من أسبوع، تحوّلت إلى ما وصفته منظمات حقوقية لاحقا بـ”سحل رقمي” ضمن حملة تحريض بمفردات دارجة تتهمها بـ”التوطين” و”التمويل المشبوه”، سبقت المداهمة بأيام معدودة كأنها التمهيد له لا مجرد ضجيج عابر. بعد عامين، وجدت نفسها خلف قضبان السجن بحكم بثماني سنوات.
على بعد كيلومترات، كان مصير مختلف بقليل ينتظر فيديو قديمًا بعنوان “شكرا تونس”، أنتجه المعهد العربي لحقوق الإنسان عام 2021 احتفاءً باليوم العالمي للاجئ. أعيد انتشاله من الأرشيف بعد سنوات، وأُلبس رواية لا علاقة له بها، على أنه دليل على “توطين” الأفارقة. لا أحد يسأل، في خضم الغضب الذي أثير على فيسبوك، عن التاريخ الفعلي للفيديو ولا عن سياقه الأصلي. السؤال الوحيد الذي يبدو أنه لم يُطرح بجدية كافية هو: كيف لمحتوى بهذا الوضوح، وبهذا الانتشار، أن يبقى حيًا لأيام وأسابيع من دون أن تتدخل خوارزميات الإشراف الآلي التي تدير وجود مليارات المنشورات يوميًا على فيسبوك؟
هذا التحقيق ينطلق من هذا السؤال بالذات. ليس السؤال عن وجود حملات التحريض هذه، فوجودها موثق بما لا يدع مجالًا للشك، بل عن سبب بقائها حية ومنتشرة لفترات طويلة قبل أي تدخل فعلي من المنصة نفسها. والفرضية التي يختبرها هذا التحقيق بسيطة في ظاهرها، ولكن عميقة في تبعاتها. اللهجة التونسية، بتعبيراتها المحلية وكتابتها الهجينة بالأحرف اللاتينية، تشكل نقطة عمياء بالنسبة لأنظمة ذكاء اصطناعي، التي دُرِّبت أساسًا على الإنجليزية. وهذه النقطة العمياء بالذات هي ما يستغله، بخبرة متصاعدة، من أراد تشويه خصم أو إسكات صوت مستقل. لنبدأ من حيث بدأت القصة: فيديو “شكرا تونس” نفسه، وكيف تحوّل من احتفاء إنساني بسيط إلى سلاح تشويه ممنهج.
“حملة تشويه ممنهجة”: المعهد العربي لحقوق الإنسان يواجه فيديو منتزَع من سياقه
في حالة منفصلة، تعرّض المعهد العربي لحقوق الإنسان، برئاسة عبد الباسط بن حسن، لحملة مماثلة في بنيتها وإن اختلف موضوعها. وفي بيان رسمي وُجّه للرأي العام، أكد المعهد تعرّضه لحملة تشويه وادعاءات باطلة تستهدف رسالته في نشر ثقافة حقوق الإنسان، موضحًا أن فيديو كليب “شكرا تونس” الذي تم تداوله خلال الحملة يعود إلى سنة 2021، وأُنتج بمناسبة اليوم العالمي للاجئ، ولا علاقة له إطلاقًا بملف هجرة الأفارقة جنوبي الصحراء الذي جرى ربطه به زورًا. وقد تأكد فريق هذا التحقيق من ذلك مباشرة عبر الرجوع إلى النسخة الأصلية للفيديو، المنشورة فعليًا على صفحة المعهد الرسمية عام 2021 — وهو ما يثبت بشكل قاطع أن الفيديو أقدم من الملف الذي رُبط به لاحقًا بسنوات، ولا يذكر ملف الهجرة الإفريقية إطلاقًا في محتواه الأصلي.
وأوضح البيان أن الفيديو ثمرة تعاون تطوعي طويل الأمد مع الفنان لطفي بوشناق، شمل إهداء عدد من الأغاني حول قضايا متنوعة كالسلم والحرب والبيئة والتعليم والإعاقة، وأن الحملة قامت أساسًا على انتزاع مواد قديمة منشورة أصلًا على مواقع المعهد وتوظيفها بشكل مضلل للمساس بسمعته وسمعة المتعاونين معه، ومعظمهم متطوعون.

وفي هذا الإطار، أنجز فريق هذا التحقيق توثيق ميداني مباشريمنح هذه الحالة عمقًا إضافيًا يتجاوز بيان المعهد الرسمي. رصدت المتابعة عشرة منشورات موزّعة بين صور وريلز وفيديوهات مباشرة طويلة، صادرة عن أربع صفحات فيسبوك على الأقل، تستهدف المعهد العربي لحقوق الإنسان بصفته الاعتبارية كمؤسسة، وبن حسن بصفته الشخصية رئيسًا له، في آن واحد — بل إن جزءًا كبيرًا من المواد يوجَّه إلى المعهد كمنظمة بالاسم مباشرة، لا إلى شخص رئيسه فقط. من بين الأنماط الموثقة: تحوير مباشر لتصريحات أدلى بها بن حسن فعليا في مقابلة مع قناة الحوار التونسي، وإعادة تركيب لفيديو أنتجه المعهد نفسه ضمن أحد أنشطته الاعتيادية لتحويله إلى مادة تحريضية، واستخدام متكرر لصور بن حسن الشخصية من دون سياق كأداة تحريض قائمة بذاتها. والأخطر أن أحد البثوث المباشرة يتضمن، ما يشبه اعترافًا صريحًا من صاحب الصفحة بنيّة التشهير بأشخاص محددين بالاسم، من بينهم بن حسن نفسه — وهو ما يرقى، إن ثبت عند المراجعة المباشرة، إلى دليل نادر على القصد المسبق للتشهير لا مجرد تراكم عفوي لمحتوى مسيء، ويتقاطع مباشرة مع وصف المعهد نفسه للحملة بأنها “ممنهجة” لا عفوية.

صورة منجزة بشات جي بي تي وتعديل يدوي عبر كانفا
كما وثّقنا في هذا التحقيق أنماطا بصرية إضافية تكشف مستوى متقدمًا من التلفيق تجاوز مجرد الانتقاء المغرض للمحتوى، وأغلبها موجَّه للمعهد كمؤسسة لا لشخص رئيسه: منشورات تجمع صورة بن حسن بصور أطفال أفارقة بتعابير وجه ساخرة وشعار المنظمة الدولية للهجرة (OIM)، لتوحي بصورة مغلوطة عن علاقة مباشرة بين المعهد وملف “استيراد” أطفال. كما لجأت إحدى الصفحات إلى تحوير اسم المعهد لفظيا من “حقوق الإنسان” إلى “حقوق الشيطان”، وأنتجت غرافيكا يُحاكي الهوية البصرية الرسمية للمعهد (الشعار والتصميم نفسيهما) لكن بمضمون معاكس تمامًا يطالب السلطات التونسية بـ”تجميد نشاط المعهد فورًا” — وهو غرافيك موجَّه صراحة ضد المؤسسة ككيان اعتباري لا ضد بن حسن كفرد، ويتجاوز التشويه اللفظي إلى انتحال الهوية البصرية للمعهد ذاته. كما رُبطت اتفاقية تعاون حكومية حقيقية موقّعة عام 2016 مع المركز الدولي لتطوير سياسات الهجرة بنظرية مؤامرة “التوطين”، عبر تقديمها كـ”قاعدة بيانات” أو دليل إدانة ضد المعهد.

صورة منجزة بكلود وجيميني وتعديل يدوي
هل حالة المعهد العربي واقعة معزولة إذن؟ الإجابة، كما يكشف القسم التالي، هي لا — بل نمط يتكرر بحذافيره عبر ثلاث منظمات أخرى على الأقل.
أربع منظمات، نمط واحد متكرر
الظاهرة ليست جديدة ولا مقتصرة على واقعة واحدة. منذ عام 2021، كان رمضان بن عمر، المتحدث باسم المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية (FTDES)، من أوائل من نبّه علنا، في تقرير للعربي الجديد، إلى حملات تحريضية منظمة تستهدف المهاجرين الأفارقة على فيسبوك، تشمل نشر صورهم أثناء تنقلهم أو عملهم أو حتى داخل بيوتهم، ووصفها مراقبون وقتها بأنها حملة “ممنهجة” تهدف للتحريض على ترحيلهم. هذا يعني أن الفجوة التي يبحث فيها هذا التحقيق ممتدة زمنيًا على الأقل منذ أربع سنوات، لا ظاهرة طارئة.
وثّق موقع نواة (ديسمبر 2024) واقعة تكشف الآلية بدقة. نشر المجلس التونسي للاجئين، وهو شريك محلي لعمل مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين في تونس، إعلان طلب عروض في صحيفة لاستئجار نُزُل لإيواء اللاجئين. أعادت صفحات فيسبوك تداول نسخة من الإعلان خارج سياقه الإداري البسيط، فأثارت حملة تحريض علّق عليها الرئيس قيس سعيّد نفسه علنا بغضب. تُرجم ذلك إلى توقيف مصطفى جمالي (رئيس المجلس) وعبد الرزاق كريمي (مدير مشروع فيه) بتهمة “تكوين وفاق لمساعدة أجانب على الدخول للتراب التونسي”، وإغلاق المجلس أبوابه بالكامل. أشار تقرير المفوضية السامية للاجئين الصادر في مايو من العام نفسه إلى أن إغلاق المجلس أدخل المهاجرين الذين دخلوا عبر الحدود البرية في “متاهة انتظار المجهول”، معرّضين لخطر الطرد نحو الحدود الصحراوية.
كما وتعرّضت جمعية “منامتي” المناهضة للعنصرية وسعدية مصباح رئيسة الجمعية لما وصفته، في بيان لها ، بـ”حملة تحريض ممنهجة وسحل رقمي” بدأت في 1 مايو 2024، ربطت عملها الحقوقي بنظرية مؤامرة “التوطين” و”التمويل المشبوه” — وهي نفس المفردات التي توثّقها شبكات أخرى في سياقات مشابهة لاحقًا. بعد خمسة أيام فقط من بدء الحملة، فُتح تحقيق قضائي (6 مايو)، وفي اليوم التالي (7 مايو) دُوهم مقر الجمعية ومنزل مصباح وحُجزت وثائقها وحواسيبها، ووُجّهت لها تهم غسل أموال وإثراء غير مشروع وتكوين وفاق (أُسقطت التهمة الأخيرة لاحقًا). في 4 يوليو 2025 حُفظت التهم عن سبعة من أعضاء الجمعية المفرج عنهم، لكن الملاحقة استمرت ضد مصباح وحدها، لتصدر بحقها، في 27 مارس 2026 عقوبة بالسجن 8 سنوات وغرامة مالية وحرمان من الترشح، بعد نحو 700 يوم من التوقيف. عقدت أول جلسات استئنافها في 19 مايو 2026، وقد أصدرت منظمات حقوقية عديدة بيانًا صريحًا يربط توقيت هذه الأحكام “بتصاعد لافت لمنسوب خطاب الكراهية والعنصرية… وأن النضال ضد العنصرية ليس جريمة.

صورة لسعدية مصباح من موقع تقاطع
وفي سياقٍ أوسع وثّق تحقيق استقصائي منشور سابقا لشبكة أريج (فبراير 2025، بالشراكة مع تفنيد) حجم هذه الظاهرة على نطاق أوسع في فيسبوك خلال مارس-مايو 2025، مسجلًا مفردات دارجة عنصرية متكررة من نوع “توطين” و”استيطان” و”ترحيل” كمطلب تحريضي — وهي نفس نوعية المفردات التي تظهر في الحالات الأربع أعلاه، ما يؤكد أنها ليست حملة معزولة بل معجم متكرر عبر حملات متعددة ومستقلة. وقد استمر هذا النمط بعد ذلك التاريخ، ووثّقت منصة تفنيد نفسها، في 23 أبريل 2026 و14 مايو 2026، مقطعي فيديو أعيد تداولهما خارج سياقهما الزمني الأصلي (أحدهما يعود لعام 2023) لتصويرهما كأحداث آنية تخص المهاجرين، ما يشير إلى أن آلية “انتزاع المحتوى من سياقه” لا تزال نشطة بعد أكثر من عام من توثيقها الأول.

صورة منجزة عن طريق جيميني
النمط المشترك عبر الحالات الأربع:
محتوى رسمي أو فني بريء (إعلان إداري، فيديو إنساني، نشاط منظمة) يُنتزع من سياقه ← يُعاد تأطيره بمفردات دارجة مشحونة (توطين، استيطان، خيانة) ← ينتشر بسرعة على فيسبوك ← يتبعه أو يرافقه إجراء قضائي أو أمني فعلي ← لا يظهر في أي من الحالات الأربع ما يشير إلى تدخل استباقي من خوارزميات المنصة نفسها قبل تصاعد الأثر الواقعي. هذا النمط المتكرر هو جوهر ما يبحثه هذا التحقيق: ليس وجود الحملات بحد ذاته، بل غياب الدليل المنهجي على أي كبح آلي فعّال لها قبل أن تُترجم إلى ضرر واقعي.
صورة منجزة عن طريق شات جيبيتي
يعزز هذا النمط رصدُ فريق التحقيق لشبكة من الصفحات النشطة في حملة المعهد العربي تحديدًا، بينها صفحات تحمل عشرات الآلاف من المتابعين (إحداها تتجاوز 120 ألف متابع)، ما يمنح المحتوى المضلل مدى انتشار واسعا بمجرد نشره.

رسم بياني منجز عبر CLAUD كلود
وتجدر الإشارة إلى أنه من خلال بحث فريق التحقيق وتواصله المباشر مع المنظمات المذكورة وممثليها القانونيين، تبيّن أن أيًا من المنشورات العشرة الموثقة لم يُحذف، ولا يزال متاحًا حتى تاريخه منذ فبراير 2026. الاستثناء الوحيد هو البث المباشر (اللايف)، الذي اختفى لا نتيجة أي إجراء إشرافي من المنصة، بل تماشيًا مع سياسة فيسبوك العامة التي تحذف تلقائيًا كل بث مباشر بعد شهر من انطلاقه، بصرف النظر عن مضمونه. وقد تسنّى لفريق التحقيق التأكد من هذه المعطيات عبر تقنيات أرشفة وبحث رقمي متقدمة مكّنته من العودة إلى الروابط الأصلية، بالتوازي مع تثبت مباشر مع الفريق القانوني للمنظمات المعنية.
ويبقى سؤال محوري معلّقا بعد استعراض هذه الحالات الأربع: ما الذي يجعل تحديدا هذه الحملات، بصياغتها الدارجة، قادرة على الإفلات من الرصد لهذه الدرجة؟ الإجابة تبدأ من المعجم نفسه.
لغة الكراهية: حين لا يكون للعنصرية معادل في الفصحى
لم يبقَ الأمر حبيس الشاشات، في نوفمبر 2025، وثّقت منظمة العفو الدولية في تقرير شامل تصاعد العنف العنصري الممنهج ضد اللاجئين و”المهاجرين السود” في تونس، مسجلة موجات متتالية من العنف بدأت مع خطاب الرئيس قيس سعيّد في فبراير 2023، وشملت اعتداءات جسدية وجنسية وعمليات طرد جماعي طالت أكثر من 11,500 شخص بين يونيو 2023 ومايو 2025. وفي سياق موازٍ، وثّقت المنظمة الأورومتوسطية للحقوق (يوروميد رايتس) ، في بيان صادر في 10 أبريل 2025، مقتل مواطن غيني (32 عاما) رميا بالرصاص على يد مدني تونسي في 9 أبريل 2025، بعد أيام معدودة من مقتل مواطن مالي (38 عاما) بظروف مشابهة. بمعنى آخر: الخطاب الرقمي بالدارجة لم يبقَ رمزيا، بل ترجم إلى دوريات مواطنين وأعمال عنف موثقة.
ويكشف تدقيق فريق التحقيق في مضمون البثوث المباشرة عن معجم لفظي لا يقل دلالة عن الحالات الأخرى. فبين الشتائم النابذة والبذيئة الموجهة لبن حسن ومتعاونيه، تتكرر عبارات من قبيل وصفهم بـ”مجرمة وخونة”، و”سراق”، وبأنهم “بيوعة الوطن”، مع الزعم بأنهم “جايين من بلاد الوصفان” — وهي نفس مفردة “وصفان” التي وثّقها تحقيق أريج في حملة الهجرة، ما يؤكد أنها معجم متكرر عابر للحملات لا حادثة معزولة.
ويذهب الخطاب إلى حد وصفهم بأن وجوههم “بياضت من ماكلة فلوس الخارج”، في اتهام مباشر بالارتزاق مقابل تمويل أجنبي. لكن العبارة الأكثر دلالة هي زعم أن المعهد “يحب يردونا كي إفريقيا” — إذ تُستخدم “إفريقيا” هنا صراحة كصفة استنقاصية، ما يكشف أن نفس الإطار العنصري المعادي للأفارقة الذي استُخدم ضد المهاجرين أنفسهم في حملة منفصلة تماما، يُعاد توظيفه هنا لمهاجمة منظمة حقوقية تدافع عنهم — دليل إضافي على أن هذا المعجم أداة تحريضية جاهزة تُستدعى عند الحاجة، بصرف النظر عن الهدف.
أمام هذا المعجم العنصري الموثّق وأثره الواقعي، يصبح السؤال التقني ملحّا: هل هذه المفردات تحديدًا تتجاوز فعلا قدرة الخوارزميات الحالية على الفهم؟
لماذا تفشل الخوارزمية تحديدًا مع الدارجة؟
بعد أن تتبّعنا كيف تنتقل الحملة من محتوى بريء إلى ضرر واقعي كامل عبر أربع منظمات مختلفة، يبقى السؤال الأهم: لماذا تفلت هذه الحملات تحديدًا من الرصد الآلي؟ الإجابة تبدأ من إطار نظري أوسع يتجاوز تونس نفسها.
يضع كتاب أكاديمي جماعي صدر عام 2025 بعنوان “Trustworthy AI: African Perspectives” عن دار Springer، بإشراف كوتوما واكونوما ودميان إيكي وزملائهما، هذه الإشكالية ضمن هذا الإطار. يستعير الكتاب من الباحثة أبيبا بيرهاني مفهوم “الاستعمار الخوارزمي”، الذي تُعرّفه بأنه سعي للهيمنة على الخطاب الاجتماعي والسياسي والثقافي عبر التحكم في وسائط الاتصال الأساسية. ويخلص مؤلفو الفصل إلى أن مجموعات البيانات التي تُدرَّب عليها النماذج الكبرى لا تعكس عادةً السرديات والسياقات الإفريقية الفعلية، بل تعكس أساسًا تجارب سكان الشمال العالمي، ما يجعل دعم اللغات واللهجات المحلية أحد أهم معايير “الذكاء الاصطناعي الجدير بالثقة” في القارة من الأساس.
هذا الإطار النظري يضع حالة الدارجة التونسية ضمن ظاهرة قارية أشمل، لا كاستثناء معزول. ويذهب الفصل أبعد من ذلك، مستشهدًا بتحليل الباحثة أبيبا بيرهاني (2020) نفسها، ليصف الاستعمار الخوارزمي بأنه لا يكتفي بتهميش السرديات المحلية، بل “يُجرّد الأفراد من إنسانيتهم ويعاملهم كموارد جامدة تُستغل لأغراض رأسمالية”، حيث يُختزل الناس والموارد داخل منظومة الذكاء الاصطناعي العالمية إلى مجرد “احتياطي جاهز للاستخدام”. وهذا الوصف يقترب كثيرًا مما حدث فعليًا في الحالات الأربع الموثقة أعلاه: لم تُعامَل سعدية مصباح أو المعهد العربي كطرفين لهما رواية تستحق التحقق البشري، بل كمحتوى يُصنَّف آليًا وينتهي أمره من دون مراجعة كافية، تمامًا كما لو كانا “احتياطًا” لا أطرافًا فاعلة.
وتؤكد الخبيرة في سياسات الذكاء الاصطناعي مها الجويني، ، على أن هذا التوصيف من واقع خبرتها المباشرة في الملف، أن منصات التواصل الاجتماعي وأنظمة الذكاء الاصطناعي تستمر في إظهار تحيز لغوي صارخ عبر التركيز المفرط على المحتوى الناطق بالإنجليزية، مقابل تجاهل شبه تام للغات الجنوب العالمي كالعربية والولوف والكردية وغيرها. إن هذا العجز البنيوي في معالجة اللغة الطبيعية (NLP) وشح مجموعات البيانات (Datasets) باللغات المحلية يجعل إشراف هذه المنصات على المحتوى غير فعّال، مما يترك المجال مفتوحًا لانتشار خطاب الكراهية والعنف الذي يهدد مباشرة حياة الفئات الهشة وفي مقدمتهن النساء.
ووفق خبيرة في سياسات الذكاء الاصطناعيمها الجويني،
إن “مفهوم التصميم المتمركز حول الإنسان الذي تتبناه كبريات الشركات التكنولوجية يظل ضيقًا ما لم يشمل جميع المجتمعات”. وفي تحليلهم للسياسات الوطنية الأفريقية للذكاء الاصطناعي، يذكر مؤلفو الفصل (زيمبا، الجويني، ونداكا) أن الاستراتيجية الوطنية المصرية للذكاء الاصطناعي (2021) تعتبر معالجة اللغة العربية “قطاعًا حيويًا”، ليس فقط لتسهيل تفاعل المستخدمين مع الأنظمة الذكية، بل أيضا كأداة أساسية لاستخراج المعلومات السياقية الصحيحة من النصوص العربية.
– خط زمني مقارن: فترة بقاء خطاب الكراهية حسب اللغة
انطلاقًا من هذا الإطار العام، ننتقل إلى المستوى الأكثر تحديدًا: ماذا يحدث تقنيًا حين تكون اللغة المستهدَفة هي تحديدًا العربية، ثم الدارجة التونسية داخلها؟ هذا السؤال ليس تكهنًا صحفيًا، بل موضوع بحث أكاديمي مباشر.
تُظهر دراسة الباحثة منى السواح، الصادرة عن مركز كار لحقوق الإنسان بجامعة هارفارد في يناير 2024، أن الإشراف الآلي لفيسبوك على المحتوى العربي يعاني مما تسميه “إشرافًا غير متسق”
إذ بعض المحتوى المشروع يُحذف بإفراط، بينما يبقى محتوى مخالف من دون أي إجراء، ما يجعل مستخدمي العربية عاجزين عن التنبؤ بمصير منشوراتهم. هذا التذبذب، وفق الدراسة، أفرز حالة عامة من انعدام الثقة تجاه أدوات الإشراف الآلي في المنطقة العربية ككل — وتونس والدارجة التونسية تمثلان حالة أكثر تطرفًا ضمن هذا المشهد، لا استثناء منه.
وتتعمق المشكلة تقنيًا حين يتعلق الأمر بلهجة محلية من دون العربية الفصحى بمستويات الموارد المتاحة لها. وتؤكد دراسة أكاديمية سابقة، أنجزها الباحثون هالة مالكي وحاتم حداد وشادي بشيخ علي وإسماعيل بابا أوغلو، ونُشرت في مجلة Computación y Sistemas عام 2018، على أن غياب موارد معجمية معيارية للدارجة التونسية، وصعوبة تفسير التعبير الإيحائي وغير المباشر فيها، يمثلان عائقًا حقيقيًا أمام نماذج تحليل المشاعر الآلية. المفردات التي تكرّرت عبر حملات مختلفة ومستقلة وثّقناها أعلاه — “توطين”، “استيطان”، “هوايش”، “وصفان” — هي أمثلة حيّة بالضبط على النوع من التعبير المحلي عالي الحمولة الدلالية والمنخفض التمثيل الذي تتحدث عنه هذه الدراسات: “كلمات لا تحمل، في قواميس تدريب النماذج الكبرى، الوزن العنصري أو التآمري الذي تحمله في السياق الشفهي التونسي الفعلي”.
ولفهم الآلية التقنية الدقيقة وراء هذا العجز، يشرح الرئيس التنفيذي لشركة OSH للذكاء الاصطناعي شحاتة السيد، ، من واقع عمله المباشر في هندسة هذه النماذج ن المشكلة الجوهرية تكمن في آلية تسمى Tokenization (التقطيع اللغوي)، وهي ما تعتمد عليه كل النماذج الكبرى مثل GPT وGemini وDeepSeek، هذه الآلية مصممة أساسًا حول لغة أو مجموعة لغات معينة، غالبًا الفصحى والإنجليزية.
وكما يوضّح هذا التفسير التقني، فإن المشكلة لا تنحصر في نقص البيانات وحده، بل تمتد إلى بنية النماذج ذاتها. وهذا القصور التقني لا يقع في فراغ، بل يتزامن مع تراجع موثّق في الاستثمار البشري بالإشراف على المحتوى في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ووثّقت مؤسسة Electronic Frontier Foundation، في تقرير نُشر يوليو 2026، أن أنظمة ميتا الآلية أخطأت — وفق وثائق داخلية سرّبتها المبلّغة فرانسيس هوغن عام 2020 — في حذف 77% من المحتوى العربي غير العنيف أثناء محاولتها رصد ما اعتبرته “محتوى إرهابيا”، مؤكدة أن الوضع لا يزال متعثرًا بعد خمس سنوات، وأن اللهجات الأقل تمثيلًا من الفصحى تواجه إخفاقًا أشد. وفي السياق نفسه، حذّرت مؤسسة CIPESA الأفريقية، في تحليل نُشر يناير 2025، من أن قرار ميتا تقليص الاعتماد على مراجعي المحتوى البشريين لصالح نموذج “الملاحظات المجتمعية” سيزيد من صعوبة مواجهة خطاب الكراهية في القارة، لا سيما في ظل ضعف الاستثمار المحلي في التحقق من المحتوى بلغات ولهجات المنطقة.
وحذّرت مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين، في يوليو 2026، في تصريح دولي حديث يربط هذه المخاطر مباشرة بملف اللاجئين والمهاجرين موضوع هذا التحقيق، من أن انتشار التضليل وخطاب الكراهية وتقنيات “التزييف العميق” (Deepfake) بات يهدد اللاجئين والعاملين في المجال الإنساني أنفسهم — وهو بالضبط ما تعرّضت له المنظمات الأربع الموثقة في هذا التحقيق.
وإلى جانب فجوة اللهجة، توجد فجوة ثانية أكثر خفاء. فوفق دراسة أكاديمية أخرى، أنجزتها الباحثة شهيرة بن عبد الله من معهد الصحافة وعلوم الإخبار بتونس، ونُشرت عام 2022 في المجلة الدولية للاتصال الاجتماعي، حلّلت خطاب صفحتين فيسبوكيتين متقاطبتين حول قرارات الرئيس قيس سعيّد في 25 يوليو 2021، خلصت إلى أن خطاب الكراهية نادرًا ما يكون صريحًا، بل غالبًا ما يكون مضمَرًا تحمله الصورة والسخرية بدل الكلمات المباشرة. وتصف الباحثة هذا النوع بـ”خطاب الكراهية الخفي”، مستعيرة المفهوم من قسطنطينو وبايدر (2019)، وتخلص إلى أنه خطاب منفلت أصلًا عن رقابة تقنيات الذكاء الاصطناعي. وهذا يعني أن نقطة العمى التي يبحث عنها هذا التحقيق تمتد إلى بنية الخطاب نفسها، لا المفردات الدارجة وحدها.
إذًا، في اللحظة التي تحتاج فيها الدارجة التونسية إلى مراجعين بشريين يفهمون سياقها الاجتماعي لتعويض قصور الخوارزمية — وهو بالضبط ما تحدّث عنه شحاتة السيد أعلاه — تسير المنصات الكبرى في الاتجاه المعاكس تمامًا.
وإذا كانت هذه الأدلة كلها تشير إلى فجوة خاصة باللهجة والسياق العربي تحديدًا، يبقى سؤال مضاد ضروري لأي تحقيق نزيه: هل المشكلة حصرية بالعربية والدارجة، أم أن فشل المنصات في الإنفاذ أعمّ من ذلك؟
ازدواجية المعايير: حتى العربية نفسها لا تُعامَل بإنصاف
الفشل ليس مسألة “لغة مدعومة” مقابل “لغة مهملة” بإطلاق، بل مسألة سياق سياسي يعيد معايرة نفس الأداة بشكل متناقض. وفي هذا الإطار، وثّقت هيومن رايتس ووتش (ديسمبر 2023) أن ميتا حذفت آلاف المنشورات المؤيدة لفلسطين، حتى السلمي منها، بينما بقي محتوى يحرّض على العنف ضد الفلسطينيين منشورًا من دون إزالة، أحيانًا في المنشور نفسه. وكشف تحقيق The Intercept (نوفمبر 2023) أن تدقيقًا داخليًا لدى ميتا وجد أنه لا يوجد أصلًا مصنّف آلي لرصد خطاب الكراهية بالعبرية، بينما كانت خوارزمياتها تحذف المحتوى العربي بقوة تصل لتخفيض عتبة الثقة اللازمة للحذف من 80% إلى أقل — ما سمح لإعلان مدفوع يدعو لاغتيال ناشط مؤيد لفلسطين بالمرور من دون رصد. ووثّقت منظمة 7amleh (سبتمبر 2025) استمرار هذا النمط خلال حرب غزة، مؤكدةً أن “التحريض الإبادي بالعبرية يُترك لينتشر من دون رادع، بينما تُقمع السرديات الفلسطينية بشكل ممنهج”. لهذا تبيّن، أن نفس اللغة العربية التي تُراقَب بصرامة حين يتعلق الأمر بالتضامن مع فلسطين، تفلت تمامًا من الرصد حين يتعلق الأمر بلهجة محلية تونسية تستهدف مهاجرين أو منظمات حقوقية — وهذا يكشف أن المعيار الحقيقي ليس اللغة في ذاتها، بل الثقل السياسي والمؤسسي للجهة التي يمكنها الضغط على المنصة لتصحيح الخطأ بسرعة.

صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي جيميني
أربع منظمات، محتوى بريء واحد يُنتزع في كل مرة من سياقه، ومعجم دارج متكرر يحمل وزنًا عنصريًا أو تآمريًا لا تلتقطه قواميس تدريب النماذج الكبرى — هذا هو المشهد الذي يرسمه هذا التحقيق. من فيديو إنساني بسيط للمعهد العربي، إلى إعلان إداري روتيني للمجلس التونسي للاجئين، إلى عمل حقوقي علني لجمعية منامتي، تكرّر نفس المسار: تحريف بالدارجة ← انتشار سريع ← إجراء عقابي فعلي، من دون أن يظهر في أي محطة من هذا المسار دليل على أن خوارزميات المنصة نفسها تدخّلت لكبح الضرر قبل وقوعه.
هذا لا يعني أن كل ما يحدث في تونس فريد أو استثنائي — فالأمثلة المقارنة بالفرنسية والإنجليزية تُذكّر بأن ميتا تُخفق أحيانًا حتى في أكثر لغاتها دعمًا تقنيًا. لكنه يعني أن فجوة اللغة تُضاعف احتمال الفشل وحجمه، وأن من يدفع الثمن هم تحديدًا الأطراف الأضعف قدرة على المواجَهة القانونية: منظمة حقوقية صغيرة، جمعية مناهضة للعنصرية، مجلس محلي للاجئين — لا حكومات ولا شركات كبرى قادرة على التفاوض المباشر مع ميتا.
لماذا يهم استمرار هذا الوضع تحديدًا الآن؟
ما يجعل هذه الفجوة خطيرة ليس وقوعها مرة واحدة، بل تكرارها المتسارع. أربع حالات موثقة خلال أقل من عامين (2024-2026)، وفيديوهات مفبركة لا تزال تُنتَج وتُتداول حتى الأسابيع الأخيرة قبل إعداد هذا التحقيق. هذا يعني أن الفجوة لا تُغلق بمرور الوقت، بل يتسع استغلالها كلما اكتسب صنّاع المحتوى خبرة أكبر في التحايل عليها. وإذا استمر النمط الحالي من دون تدخّل:
- قصير المدى: مزيد من المنظمات الصغيرة ستجد نفسها مستهدَفة بنفس الأسلوب، مع كلفة قانونية ومؤسسية فادحة كما حدث لمنامتي والمجلس التونسي للاجئين.
- متوسط المدى: يتحوّل المعجم الدارج التحريضي إلى أداة جاهزة يعاد استخدامها ضد أي صوت مستقل يعمل على ملفات حساسة، لا الهجرة وحدها.
- طويل المدى: تآكل الثقة العامة بجدوى الإبلاغ عن المحتوى المسيء أصلًا، إذا تكرّس الانطباع بأن المنصات لا تتحرك إلا بعد فوات الأوان، إن تحرّكت أصلًا.
ماذا يمكن فعله؟
بناءً على ما يوضّحه شحاتة السيد ومها الجويني من زاويتين مكمّلتين، والأدلة المؤسسية المستعرضة أعلاه، تبرز ثلاثة مسارات عملية للحل، لا مسار واحد:
1.على مستوى المنصات: استثمار تقني مباشر في نماذج معالجة لغة مدرَّبة تحديدًا على الدارجة التونسية والعربيزي، إلى جانب وقف تراجع فرق المراجعة البشرية في المنطقة بدل تعميق الاعتماد على أدوات آلية غير جاهزة بعد.
- على مستوى الصحافة والمجتمع المدني: تكرار منهجية هذا التحقيق بشكل دوري ومنهجي، مع بناء قاعدة بيانات حية لرصد فترة بقاء المحتوى فور نشره، بدل توثيقه بعد فوات الأوان.
- على مستوى السياسات العامة: مساءلة سياسية وتنظيمية للمنصات الكبرى حول معايير موحّدة للاستثمار في الإشراف البشري حسب حجم المستخدمين الناطقين بكل لغة أو لهجة، لا حسب حجم السوق الإعلاني فقط.
قد يكون تفسير هذه الفجوة تقنيا، يرتبط بندرة البيانات وضعف تمثيل الدارجة التونسية في نماذج الذكاء الاصطناعي. وقد يكون جزء منها انعكاسا لأولويات استثمارية تجعل اللغات الأقل انتشارا تحظى بموارد أقل في التطوير والإشراف. لكن أيا كان التفسير، فإن النتيجة واحدة: تتسع المسافة بين سرعة انتشار المحتوى المضلل وسرعة اكتشافه.
وفي هذه المسافة تحديدا، لا تُشوَّه الحقائق وحدها، بل قد تتضرر سمعة أشخاص، وتتعطل أعمال منظمات، وتتشكل مواقف عامة استنادا إلى محتوى لم يُفحص في الوقت المناسب. لذلك، لم يعد السؤال المطروح اليوم ما إذا كانت الخوارزميات تفهم الدارجة التونسية، بل ما إذا كانت المنصات مستعدة للاستثمار في فهمها بالقدر الذي يجعل حماية مستخدميها حقا متساويا، لا امتيازا تحدده اللغة التي يكتبون بها.
“تم إنتاج هذا التقرير بدعم من الاتحاد الأوروبي والحكومة الهولندية ضمن زمالة الذكاء الاصطناعي في الإعلام لمنطقة الشرق الاوسط وشمال افريقيا، وهذا المحتوى لا يعكس بالضرورة وجهة نظر الاتحاد الأوروبي والحكومة الهولندية”.
“استُعين بأدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي في إعداد هذا العمل. وقد رُوجع المحتوى بالكامل وجرى التحقق من دقّة كل معلومة ومصدر ورد فيه قبل النشر، كما بُذل الجهد قدر الإمكان لتنقية المخرجات من أي تحيّز، سواء في اللغة أو في تأطير الأحداث أو في اختيار المصادر. وتقع المسؤولية التحريرية الكاملة عن هذا العمل على عاتق معدّه”.
