فجوة “الكيلومتر الأخير”: عطش على ضفاف الوادي
حين تحجب البيروقراطية مياه المشاريع وتدفع النساء ثمن العدالة الغائبة
تحقيق نجوى الهمامي
في قرية رأس الواد التابعة لمنطقة بوزنة بمعتمدية نفزة من ولاية باجة، لا تبدو المياه مجردا متخيلا؛ فالوادي يتدفق على مقربة من المنازل، ومع ذلك تظل المياه الصالحة للشرب غائبة عن الصنبور. تتبدى المفارقة التنموية فور قطع مسافة ثلاثة كيلومترات الفاصلة بين المنطقة والطريق الرئيسية؛ حيث تحول المسالك المجرفة غير المهيأة وصول السيارات، لتجبر الأهالي على الاعتماد على الدواب لجلب المياه.
تعيش لطيفة قروري، العاملة الفلاحية في الأربعينيات من عمرها، هذا الإيقاع المزدوج؛ إذ تنهي ساعات عملها المأجور في الحقول لتبدأ مهمة ثانية غير مدفوعة تتمثل في نقل المياه من الوادي لسقي الماشية وتلبية احتياجات البيت. تتحدث لطيفة عن معاناة جلدية وحساسية تلاحقها نتيجة استخدام مياه غير مراقبة، وعن خوفها العميق من أن ترث بناتها الشقاء نفسه. ورغم أن حسم الأثر الصحي المباشر يتطلب تحاليل مخبرية مستقلة، فإن غياب الخدمة المنقولة عبر الأنابيب يتحول إلى عبء ثقيل يقتطع مستمرا من أجساد النساء ووقت أسرهن.
ال تتعامل هذه القصة مع لطيفة باعتبارها حالة فردية، بل باعتبارها مدخلا لسؤال استقصائي أوسع: ماذا يحدث عندما تجتمع هشاشة الريف مع ضعف البنية التحتية والفقر والعمل الفلاحي؟ وهل يكفي إرجاع العطش إلى التغيرات المناخية وتراجع الأمطار وحدهما، أم أن طريقة توزيع المياه والتفاوت بين المناطق يحددان كيف يتحول نقص المورد إلى عطش يومي؟ تدفع هذه المفارقة الميدانية إلى اختبار فرضية التحقيق: قراءة الضغط المناخي بالتوازي مع اختلالات البنية التحتية وحوكمة التوزيع، لنفهم كيف تصل المياه، ومن يدفع ثمن غيابها.
حين ينتهي العمل في الحقل ويبدأ العمل عند الماء
بالنسبة إلى النساء اللواتي يعملن في الفلاحة في المناطق الريفية، لا يمكن النظر إلى أزمة الماء باعتبارها مجرد نقص في مورد طبيعي. فغياب الماء من المنزل يعني إضافة مهمة جديدة إلى يوم عمل طويل أصلا. وبعد ساعات تقضيها المرأة في الحقل مقابل أجر يومي محدود، قد تجد نفسها مضطرة إلى البحث عن الماء ونقله وتخزينه، ثم العودة إلى أعمال المنزل ورعاية الأسرة والحيوانات.
في حالة لطيفة، يصبح هذا العبء أكثر وضوحا لأن الطريق نفسه جزء من المشكلة. الوصول إلى الطريق الرئيسية ليس أمرا بسيطا، والمسافة التي تبدو قصيرة على الخريطة يمكن أن تتحول إلى عائق فعلي عندما تكون الطريق صعبة، وعندما يكون النقل محدودا، وعندما تكون الوسيلة المتاحة هي المشي أو الدابة أو الاستعانة بوسيلة نقل زراعية. لذلك لا يقاس غياب الماء هنا بعدد اللترات التي لا تصل إلى المنزل فقط، وإنما بعدد الساعات التي تضطر المرأة إلى تخصيصها للحصول عليه.
وهذا هو الجانب غير المرئي من أزمة المياه: الوقت الذي لا يظهر في ميزانيات المشاريع ولا في مؤشرات التغطية، والجهد الذي لا تسجله أرقام الاستهلاك، والعمل غير المدفوع الذي يتحول إلى جزء من الحياة اليومية. فالتحقيق يسعى تحديدا إلى فحص هذه الكلفة الخفية، من الوقت الذي تقضيه النساء في الحصول على الماء إلى أثر ذلك على العمل الفلاحي والدخل، وعلى النساء والفتيات داخل الأسرة.
ماء قريب… وخدمة بعيدة
في رأس الواد، تطرح قصة لطيفة مفارقة تبدو بسيطة لكنها تكشف تعقيدا أكبر: كيف يمكن أن يكون الماء قريبا جغرافيا وبعيدا كخدمة؟ وجود الوادي لا يعني وجود مياه صالحة للشرب، كما أن وجود مصدر مائي طبيعي لا يعوض شبكة عمومية توفر الماء بشكل منتظم وآمن. وبين المورد الطبيعي والخدمة العمومية توجد منظومة كاملة من البنية التحتية والمعالجة والنقل والتوزيع والصيانة.
لذلك فإن سؤال التحقيق ليس: “هل توجد مياه في المنطقة؟”، وإنما: “ما نوع هذه المياه؟ وهل هي صالحة للشرب؟ ومن المسؤول عن إيصال مياه الشرب إلى السكان؟ وما الذي يمنع ذلك إذا كانت المنطقة مدرجة ضمن مشاريع التزود بالماء؟”. هذه الأسئلة تنقل التحقيق من المشهد الإنساني إلى مساءلة المنظومة التي يفترض أن تحول الموارد والمشاريع والاستثمارات إلى خدمة فعلية تصل إلى البيت.
ويفسر الخبير في علم المناخ حمدي حشاد الفرق بين ندرة الموارد وندرة الوصول إليها قائلا:
“الجفاف والتغيرات المناخية يفرضان ضغطا متزايدا على الموارد المائية في تونس، لكن من الخطأ أن نفسر كل حالات العطش بالجفاف وحده. هناك فرق بين كمية المياه الموجودة في الطبيعة وبين قدرة السكان على الوصول إلى ماء صالح للشرب.”
ويبين أنه “عندما تكون البنية التحتية ضعيفة أو لا تصل الشبكات إلى بعض التجمعات الريفية، فإن الضغط المناخي يصبح أكثر قسوة على السكان الذين يعيشون أصلا في مناطق تعاني من هشاشة في الخدمات. لذلك يجب أن ننظر إلى أزمة المياه من زاويتين متلازمتين: ماذا يحدث للموارد بسبب المناخ، وماذا يحدث للماء بعد توفره، أي كيف تتم معالجته ونقله وتخزينه وتوزيعه ومن يصل إليه فعليا.”
هذا التمييز ضروري لأن قصة رأس الواد لا يمكن تفسيرها من خلال المناخ وحده. فإذا كان الجفاف عاملا وطنيا، فإن أثره لا يظهر بالطريقة نفسها في كل مكان. بعض الأسر لديها ماء في المنزل، وبعضها تعتمد على مصادر أخرى، وبعضها تقطع مسافات للحصول عليه. وهنا يبدأ سؤال العدالة المائية: عندما تقل الموارد، هل يتحمل الجميع الكلفة نفسها؟
نفزة بالأرقام: نصف الأسر الريفية تقريبا خارج ماء الصنبور
تقدم بيانات التعداد العام للسكان والسكنى لسنة 2014 صورة أكثر دقة عن مصادر مياه الشرب في الوسط غير البلدي بولاية باجة. ففي معتمدية نفزة، التي شمل تعدادها 10596 أسرة في الوسط غير البلدي، كانت نسبة الأسر التي تعتمد على ماء الصنبور 49.70% فقط. في المقابل، بلغت نسبة الأسر التي تعتمد على مصدر مصنف إحصائيا باعتباره “مصدرا غير مراقب” 30.83%، بينما اعتمدت 15.23% على مصدر خاص أو عمومي آخر، و4.25% على مورد عمومي أو عن طريق جمعية مائية.

هذه الأرقام لا تعني أن كل مصدر غير مراقب ملوث، ولا تسمح وحدها بالحكم على جودة المياه، لأن تصنيف المعهد الوطني للإحصاء هو تصنيف لمصدر التزود وليس نتيجة تحليل مخبري لجودة المياه.
لكنها تكشف شيئا آخر لا يقل أهمية: الاعتماد على ماء الصنبور لم يكن في 2014 هو المصدر الغالب لدى جميع الأسر في الوسط الريفي لنفزة، بينما كانت نسبة كبيرة من الأسر تعتمد على مصادر أخرى.
وتزداد أهمية هذه الأرقام عندما نضعها في سياق أوسع. على مستوى الوسط غير البلدي في كامل ولاية باجة، بلغت نسبة الأسر التي تعتمد على ماء الصنبور 62.14% مقابل 12.39% تعتمد على مصدر غير مراقب و23.30% على مصدر خاص أو عمومي آخر و2.17% على مورد عمومي أو جمعية مائية. أما على المستوى الوطني في الوسط غير البلدي، فقد بلغت نسبة الاعتماد على ماء الصنبور 66.60%.
وبذلك لا تبدو نفزة مجرد منطقة تعاني من نقص مطلق في المياه، بل منطقة يظهر فيها تفاوت واضح في مصادر التزود بالماء مقارنة بمتوسط الولاية والجمهورية. وهذا هو الفارق بين خريطة الجفاف وخريطة العطش: الأولى تقيس الضغط على الموارد، بينما الثانية تسأل أين ينتهي هذا الضغط داخل حياة الناس، ومن يضطر إلى البحث عن بدائل عندما لا يصل الماء إلى البيت.
حتى في العطش تمييز
لا تتوزع الهشاشة المائية بالطريقة نفسها بين معتمديات باجة. ففي الوسط غير البلدي، بلغت نسبة الأسر التي تعتمد على ماء الصنبور 44.62% في باجة الشمالية، و71.82% في باجة الجنوبية، و46.18% في عمدون، و48.28% في تبرسق، مقابل 76.30% في تيبار و77.60% في تستور و75.40% في قبلاط و88.45% في مجاز الباب.

ويظهر التفاوت أيضا في الاعتماد على مصادر مصنفة “غير مراقبة”: 30.83% في نفزة، و26.55% في تبرسق، و16.36% في عمدون، مقابل 1.63% في مجاز الباب و0.04% فقط في قبلاط. هذه الفوارق لا تجيب وحدها عن أسباب التفاوت، لكنها تحدد الأماكن التي تستحق التحقيق: لماذا تكون أسرة في منطقة ما أقرب إلى خدمة ماء الصنبور من أسرة أخرى داخل الولاية نفسها؟ وهل يتعلق الأمر بالموقع الجغرافي، أم بالبنية التحتية، أم بتوزيع المشاريع، أم بطبيعة التجمعات السكنية، أم بعوامل أخرى؟
ولتفسير كيف تتفاعل الضغوط المناخية مع هشاشة المنظومة، يبين الخبير في علم المناخ حمدي حشاد أن الجفاف لا ينتج بالضرورة النتيجة نفسها في كل منطقة لأن قدرة المجتمعات على مواجهة الجفاف ليست متساوية مؤكدا أن:
“المنطقة التي تمتلك شبكة مياه وخزانات ومنشآت قادرة على نقل المياه وتوزيعها ستكون في وضع مختلف عن منطقة ريفية بعيدة عن الشبكة أو تعتمد على مصادر بديلة. لذلك، عندما ندرس أثر التغير المناخي، علينا ألا ننظر فقط إلى كمية الأمطار أو الموارد المتاحة، بل أيضا إلى درجة هشاشة السكان والبنية التحتية أمام هذا الضغط.
المناخ يمكن أن يزيد المشكلة، لكن مستوى الهشاشة هو الذي يحدد إلى حد كبير حجم الضرر الذي يصل إلى الناس.”
حين لا تعني “التغطية” أن الماء وصل فعلا إلى البيت
هنا تظهر واحدة من أهم المفارقات التي يجب أن يتوقف عندها التحقيق. فالشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه تعرض مشروع تحسين نسبة التزود بالماء الصالح للشرب في الوسط الريفي بولاية باجة، وهو مشروع يشمل المناطق الريفية في معتمديات نفزة وعمدون وباجة الشمالية، ويهدف إلى رفع نسبة التزود من 90.4% سنة 2013 إلى 96.9% عند نهاية المشروع.
لكن هذه النسبة لا ينبغي وضعها مباشرة في مواجهة نسبة 49.70% الخاصة بمصدر ماء الصنبور لدى الأسر الريفية في نفزة، باعتبار أن المؤشرين لا يقيسان الشيء نفسه بالضرورة. مؤشر التزود أو التغطية يرتبط بمنظومة الخدمة والمناطق أو التجمعات المشمولة بها، بينما تقيس بيانات المعهد الوطني للإحصاء مصدر المياه الذي تعتمد عليه الأسرة.
لذلك لا يمكن اعتبار الفرق بين الرقمين دليلا تلقائيا على فشل المشروع، لكنه يطرح سؤالا استقصائيا مشروعا: ماذا يعني “التزود” في المؤشرات الرسمية؟ وهل يمكن أن تكون منطقة ما محسوبة ضمن التغطية بينما تبقى بعض الأسر بعيدة عن الماء الذي يصل فعليا إلى منازلها؟

وهذا السؤال يصبح أكثر إلحاحا عندما تكشف البيانات الرسمية نفسها أن نفزة كانت في 2014 تسجل نسبة 12.83% من الأسر الريفية التي تبعد أكثر من كيلومتر عن أقرب مصدر ماء مرتبط بالشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه أو الهندسة الريفية.
بمعنى آخر، لا يكفي أن نعرف أن هناك مشروعا أو شبكة. يجب أن نعرف أين تنتهي الشبكة، ومن بقي خارجها، وما المسافة التي يقطعها السكان، وما انتظام الخدمة، وهل توجد فروق بين التجمعات التي تدخل في الإحصاءات العامة وبين الأسر الموجودة فعليا في أطراف المناطق الريفية.
مشروع بمئات الملايين… والسؤال الذي لا يجيب عنه الرقم وحده
مشروع باجة الذي تقدمه الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه ليس مشروعا صغيرا. فهو يشمل مد خطوط بطول 490 كيلومترا من الحديد والـPEHD، وبناء 32 خزانا، وإنجاز وتجهيز 27 محطة ضخ، و32 منشأة لكسر الضغط، إلى جانب محطة معالجة بطاقة 300 لتر في الثانية.
وتقدر كلفته بـ197.6 مليون دينار، فيما يستفيد منه، وفق بيانات الشركة، نحو 91 ألف شخص موزعين على 385 تجمعا، مع أولوية أولى تشمل 32 ألف شخص في 98 تجمعا. ويعتمد المشروع على معالجة مياه سد كساب لتوفير المياه للسكان المستهدفين.
وتكشف الصفحة الرسمية للشركة أن الأشغال انطلقت في ديسمبر 2017 وأن موعد الانتهاء كان محددا لنهاية 2024، فيما تشير الصفحة العربية للمشروع إلى أن الأشغال المتعلقة بوضع القنوات ومنشآت الهندسة المدنية ومحطة المعالجة قد انتهت، وأن تجهيزات محطة الضخ كانت في طور التركيب عند تحديث الصفحة.
لكن بالنسبة إلى امرأة مثل لطيفة، يبقى السؤال الأكثر بساطة والأكثر إلحاحا: متى يصل الماء إلى المنزل؟
فالمشروع يمكن أن يكون منجزا من الناحية الهندسية، ويمكن أن تكون القنوات موجودة والخزانات ومحطات الضخ قائمة، لكن قيمة المشروع بالنسبة إلى الأسرة الريفية تقاس في النهاية بما إذا كان الماء يصل فعليا إليها، وبانتظام وبجودة مناسبة وبكلفة يمكن تحملها.
ولهذا فإن التحقيق لا يكتفي بتقديم قيمة المشروع وعدد كيلومترات الأنابيب، بل يقارن بين ما تقوله الوثائق الرسمية وما يحدث على الأرض، وهي مقارنة ينص عليها مقترح التحقيق نفسه من خلال التحقق من المشاريع العمومية المتعلقة بالتزود بالماء ومقارنتها بالواقع الميداني ثم توجيه الأسئلة إلى الجهات المسؤولة ومنحها حق الرد.
2019: “نقطة استفهام لا بد من حلها”
المفارقة ليست جديدة. ففي جلسة عامة لمجلس نواب الشعب يوم 29 ماي 2019، وأثناء مناقشة مشروع للتنمية الفلاحية المندمجة، أشار النائب رضا الدلاعي إلى وجود مشروع في جهة باجة يفترض أن يساهم في حل معضلة نقص المياه. لكنه لم يكتف بالإشارة إلى ما هو مأمول من المشروع، بل وضع أمام الحكومة سؤالا ظل مفتوحا بين ما تعد به المشاريع وما يعيشه السكان على الأرض.
قال الدلاعي خلال الجلسة:
“صحيح أنه في جهة باجة هناك مشروع سيحل معضلة نقص المياه ولكن بين الواقع وما هو مأمول من هذا المشروع نقطة استفهام لا بد من حلها.”
كانت العبارة، في ذلك الوقت، سؤالا برلمانيا عن الفارق بين المشروع كما يقدم في الوثائق والنتائج المنتظرة منه، وبين الواقع الذي يعيشه سكان المناطق المعنية. وبعد سبع سنوات، لا تصلح هذه المداخلة وحدها دليلا على نجاح المشروع أو تعثره، لكنها تمنح التحقيق نقطة مرجعية زمنية واضحة يمكن العودة إليها بالوثائق والميدان.

ماذا تغير منذ 2019؟ ما الذي أنجز فعليا؟ وما الذي بقي في طور الأشغال أو الدراسات؟ أي المناطق دخلت فعليا في الخدمة؟ وهل وصلت شبكات الماء إلى الأسر التي كان يفترض أن تستفيد منها، أم أن ارتفاع مؤشرات التغطية يخفي تفاوتا بين التجمعات والمناطق الريفية؟
هذه الأسئلة تصبح أكثر إلحاحا عندما نضعها أمام الأرقام الميدانية. فالمشاريع المائية لا تقاس فقط بقيمة التمويل، أو بعدد الكيلومترات من الأنابيب، أو بعدد التجمعات المدرجة في برنامج، بل باللحظة التي يتحول فيها المشروع من شبكة على الورق إلى ماء يصل بانتظام إلى البيت.
وفي حالة رأس الواد، السؤال أكثر بساطة وأكثر قسوة في الوقت نفسه: هل تغيرت رحلة الحصول على الماء بالنسبة إلى لطيفة وأسر أخرى تعيش في المنطقة؟
فبينما تقيس الوثائق حجم المشروع ونسب التغطية ومراحل الإنجاز، تقيس النساء المسافة والوقت والجهد الذي يبذلنه للحصول على الماء. وهنا تحديدا تلتقي “الأرقام الرسمية” مع “خريطة العطش” التي يحاول هذا التحقيق رسمها: ليس فقط أين توجد الشبكة، بل أين ينتهي بها الأمر فعليا، ومن بقي خارجها، ومن يدفع كلفة ذلك يوميا.
هذه ليست أسئلة نظرية، لأن مشاريع الماء لا تقاس فقط بحجم التمويل أو طول الأنابيب، بل بقدرتها على تغيير الحياة اليومية للأسر المستهدفة.
المرحلة الثانية: مشروع مستمر… لكن العطش لا ينتظر الجداول الزمنية
وتظهر وثائق الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه أن مشروع تحسين التزود بالماء الصالح للشرب في الوسط الريفي بولاية باجة لم ينته كليا من زاوية المتابعة الفنية. ففي مخطط المشتريات لسنة 2025، أدرجت الشركة المرحلة الثانية للمشروع المتعلقة بالمساعدة الفنية بكلفة تقديرية تبلغ 1.8 مليون دينار وبتمويل من البنك الألماني للإعمار، مع آجال تمتد إلى 2026.
لا يعني وجود مرحلة ثانية للمساعدة الفنية أن المشروع لم ينفذ، ولا يعني وجود تأخير في جزء من الإجراءات أن كل المناطق المعنية محرومة من الماء. لكنه يعني أن المشروع نفسه ما يزال موضوع متابعة وتطوير، وأن السؤال حول الوضع الفعلي للتجمعات المستهدفة يبقى ضروريا.
وتقول الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه على مستوى استراتيجيتها العامة إن نسبة التزود بالماء الصالح للشرب في الوسط الريفي على المستوى الوطني بلغت 95.5% سنة 2022، منها 54.1% عبر الشركة الوطنية و41.3% عبر الهندسة الريفية.
لكن مرة أخرى، لا يمكن وضع هذا الرقم الوطني مباشرة في مواجهة تجربة لطيفة. فالرقم الوطني يصف مستوى التزود على مستوى واسع، بينما قصة لطيفة تكشف تجربة أسرة في منطقة ريفية محددة.
وهنا تكمن قيمة التحقيق: ليس في إثبات أن الأرقام الرسمية خاطئة، وإنما في اكتشاف ما الذي تخفيه المتوسطات الوطنية عندما ننزل إلى مستوى التجمع السكني والبيت والمرأة التي تحمل الماء.
العطش الذي لا تسجله إحصاءات الشبكات
عندما نتحدث عن الماء، نميل إلى قياس ما يمكن عده: عدد الكيلومترات من الأنابيب، عدد الخزانات، عدد محطات الضخ، عدد السكان المستفيدين، ونسبة التغطية. لكن هناك أشياء أخرى يصعب إدراجها في جدول إحصائي: كم دقيقة تقضيها المرأة في البحث عن الماء؟ كم مرة تذهب إلى المصدر؟ كم من الوقت تخسره من عملها؟ كم تكلفها وسيلة النقل؟ ماذا يحدث للحيوانات عندما لا يتوفر الماء؟ وهل تتولى البنات جزءا من هذه المسؤولية؟

هذه الأسئلة هي التي تحول “خريطة العطش” من خريطة للمياه إلى خريطة للكلفة الاجتماعية لغيابها.
فالمقترح الأصلي للتحقيق لا يكتفي بتحديد أماكن ضعف الوصول إلى الماء، بل يبحث في تقاطع هذه الهشاشة مع الفقر والعمل الفلاحي والريف، وفي آثارها على النساء والفتيات.

لطيفة لا تظهر هنا فقط لأنها تعيش في منطقة لا يصل إليها ماء الشرب كما ينبغي، وإنما لأنها تكشف كيف تتحول أزمة الخدمة إلى سلسلة من الأعمال اليومية: البحث، والحمل، والنقل، والتخزين، ثم العودة إلى العمل.
ولذلك تصبح المرأة في قلب خريطة العطش، ليس لأنها “أكثر تأثرا” بشكل مجرد، وإنما لأن عليها في كثير من البيئات الريفية مسؤوليات عملية مرتبطة بتوفير الماء للأسرة.
العطش لا يرهق الجسد وحده
إذا كان الماء الغائب يفرض عملا إضافيا، فإن السؤال التالي هو: ماذا يحدث نفسيا عندما يتحول هذا العمل إلى مسؤولية متكررة لا يمكن تأجيلها؟ هذا ما تريد شرحه لطيفة التي أنهكتها المسافات والأعباء.
وتفسر المختصة في علم النفس، إيناس بن سليمة، الإرهاق الجسدي من جلب الماء قائلة:
“عندما يصبح الحصول على الماء مسؤولية يومية متكررة، فإن الضغط لا ينتج فقط عن الجهد الجسدي، وإنما أيضا عن الشعور المستمر بالمسؤولية وعدم القدرة على التحكم في الظروف. المرأة تعرف أن الماء ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها، لكنها لا تملك دائما الوسيلة التي تمكنها من توفيره بسهولة. ومع تكرار هذه المهمة، يمكن أن يتحول الأمر إلى مصدر دائم للتوتر والإرهاق، خصوصا عندما تتراكم معه مسؤوليات العمل والأسرة ورعاية الأطفال والحيوانات. لذلك يجب أن ننظر إلى غياب الماء أيضا باعتباره ضغطا اجتماعيا ونفسيا، وليس فقط مشكلة خدمات.”
هذا التفسير لا يستبدل شهادة لطيفة، بل يساعد على فهمها. فحين تقول المرأة إنها بعد العمل تضطر إلى جلب الماء، فإن السؤال الصحفي لا يجب أن يتوقف عند وصف المشهد، بل يمكن أن يسأل عن الوقت الذي يستهلكه، وعن أثره على بقية حياتها، وعن الطريقة التي يتراكم بها هذا الجهد عندما يتكرر كل يوم.
عندما ينتقل عبء الماء إلى الفتيات
ولا تتوقف المسألة عند النساء البالغات. فإذا كانت الأسرة تحتاج إلى الماء ولا توجد خدمة منتظمة تصل إلى المنزل، فمن يقوم بالمهمة؟ هل تتحملها الأم وحدها؟ هل يساعدها الأبناء؟ وهل تشارك الفتيات؟ وما الذي يحدث لوقت الدراسة والراحة إذا أصبحت هذه المهمة جزءا من يومهن؟
هذه الأسئلة مهمة خصوصا في المناطق التي تتقاطع فيها الهشاشة المائية مع الفقر والعمل الفلاحي وبعد المسافات عن الخدمات. فغياب الماء يمكن أن يعيد توزيع الوقت داخل الأسرة بطريقة غير متساوية، ويضع جزءا من المسؤولية على النساء والفتيات.

وتشرح أخصائية علم النفس، إيناس بن سليمة، هذه الزاوية مبينة أن المرأة عندما تشارك في مسؤولية توفير الماء فإنها تتحمل جهدا إضافيا:
“وقد تخسر جزءا من الوقت الذي تحتاجه للدراسة والراحة والحياة الاجتماعية. وإذا أصبحت هذه المسؤولية متكررة منذ سن مبكرة، فقد تتحول تدريجيا إلى جزء طبيعي من الدور المتوقع منها داخل الأسرة. لذلك فإن السؤال عن الماء هو أيضا سؤال عن الوقت: من يملك وقته، ومن يضطر إلى التخلي عن جزء منه لتلبية حاجة أساسية؟”
هل الجفاف هو المتهم الوحيد؟
تغير المناخ والجفاف عاملان حقيقيان في أزمة المياه، لكن التحقيق الذي يبدأ من رأس الواد لا يستطيع أن يكتفي بهذه الإجابة. فالمناخ يضغط على الموارد، لكن الناس يعيشون داخل منظومة مائية لها بنية تحتية ومشاريع وشبكات وخزانات ومحطات ضخ وقرارات توزيع.
ويشرح حشاد العلاقة بين العاملين قائلا:
“عندما تشتد فترات الجفاف، تصبح إدارة الموارد المائية أكثر صعوبة، لكن تأثير الجفاف لا يكون متساويا على جميع السكان. المجتمعات التي تعاني أصلا من ضعف البنية التحتية أو من صعوبة الوصول إلى الخدمات تكون أكثر هشاشة أمام أي ضغط مناخي إضافي.”
وحسب محدثنا فإنه “لا يمكن أن تكون الاستجابة للجفاف مجرد البحث عن موارد إضافية؛ يجب أيضا أن تكون هناك قدرة على إدارة الموارد الموجودة بكفاءة، وتوجيه الاستثمار إلى المناطق الأكثر هشاشة، وضمان وصول الخدمة إلى السكان الذين يواجهون أكبر كلفة للوصول إلى الماء”.
من رأس الواد إلى بقية باجة
رأس الواد هي نقطة البداية، وليست نهاية الخريطة. فمن خلال الأرقام الخاصة بنفزة وبقية معتمديات باجة، يظهر أن الوصول إلى ماء الصنبور ليس متساويا في الوسط الريفي.
وتكشف بيانات 2014 فروقا واسعة بين المناطق، ما يفتح الباب أمام مقارنة جغرافية أوسع: أين ترتفع نسبة الاعتماد على ماء الصنبور؟ وأين ترتفع نسبة الاعتماد على مصادر أخرى أو مصادر غير مراقبة؟ وهل تتطابق هذه المناطق مع المناطق الأكثر فقرا أو الأكثر ريفية أو الأكثر بعدا عن الخدمات؟
وإذا كانت “خريطة العطش” ستتوسع وطنيا، فإن المطلوب ليس فقط رسم خريطة لمعدلات الجفاف، بل دمج طبقات متعددة: مصدر مياه الشرب، نسبة التغطية، المسافة إلى الشبكات، طبيعة التجمعات السكانية، الفقر، العمل الفلاحي، وربما توزيع المشاريع العمومية.
عندها يمكن أن تظهر مناطق لا تكون بالضرورة الأكثر جفافا، لكنها الأكثر هشاشة أمام غياب الماء.
من المورد إلى البيت: ماذا تقيس الخريطة؟
الخريطة التي يقترحها التحقيق لا تسأل فقط: “أين يوجد الماء؟”. إنها تسأل: “أين يوجد الماء، وأين توجد الشبكة، وأين توجد الأسرة، وما المسافة التي تفصل بينها؟ ومن يتحمل هذه المسافة؟”

فالبيانات الرسمية تقول إن 49.70% من الأسر في الوسط غير البلدي لنفزة كانت تعتمد على ماء الصنبور في 2014، بينما كانت 30.83% تعتمد على مصدر مصنف غير مراقب. والشركة الوطنية تقول إن مشروع باجة يستهدف تحسين التزود في الوسط الريفي ورفع النسبة من 90.4% إلى 96.9% مع استثمارات ضخمة في القنوات والخزانات ومحطات الضخ والمعالجة.
بين الرقمين توجد مساحة التحقيق. هذه المساحة هي التي يجب أن تبحث فيها الصحافة عن الإجابة: ما الذي تقيسه كل نسبة؟ ما الفترة الزمنية لكل رقم؟ ما المناطق التي شملها المشروع؟ ما الذي أنجز فعلا؟ وما الذي بقي؟ وهل توجد تجمعات أو أسر لم تستفد رغم إدراج منطقتها ضمن مشروع التزود؟ وإذا كان الماء وصل إلى منطقة ما، فهل يصل بانتظام إلى المنازل؟ وإذا لم يصل، ما السبب الذي تقدمه الجهة المسؤولة؟
من يتحمل كلفة الغياب؟
في النهاية، لا يمكن قياس أزمة الماء فقط بما تخسره الدولة من موارد أو بما تنفقه على المشاريع. هناك أيضا كلفة يدفعها السكان بشكل يومي، وقد تكون النساء في مقدمة من يتحملونها عندما يتحول جلب الماء إلى مهمة متكررة.
في حياة لطيفة، تتداخل هذه الكلفة مع العمل الفلاحي والدخل والمسافة والوقت. المرأة التي تنتهي من يوم العمل لا تعود ببساطة إلى المنزل لتستريح؛ هناك ماء يجب جلبه. وإذا كان الوصول إلى المصدر يحتاج إلى دابة أو وسيلة نقل أو جهدا إضافيا، فإن كل رحلة تعني وقتا وطاقة.
وإذا كان الماء غير متوفر بشكل منتظم، يصبح التخطيط لليوم نفسه أكثر صعوبة. وبهذا يصبح الماء أكثر من مورد: يصبح مسألة وقت وعدالة وصحة وكرامة.
من رأس الواد تبدأ الخريطة
تبدأ القصة من امرأة تحمل الماء من الوادي، لكنها لا تنتهي عندها. خلف لطيفة توجد أرقام عن نفزة وباجة، ومشاريع عمومية بمئات الملايين، وخطط لتوسيع التزود بالماء، ونقاش قديم حول الفارق بين ما هو مأمول وما يعيشه السكان، وأسئلة جديدة حول معنى التغطية وحدودها.
وفي الجانب الآخر توجد الحياة اليومية: امرأة تعمل في الفلاحة، تعود إلى منزلها، ثم تبحث عن الماء. وبعدها تعود المهمة في اليوم التالي.
لا تقول هذه القصة إن الجفاف غير موجود، ولا تقول إن المشاريع العمومية لم تنجز شيئا. لكنها ترفض أيضا أن يكون الجفاف جوابا جاهزا يغلق التحقيق قبل أن يبدأ.
فالبيانات الرسمية نفسها تكشف تفاوتا كبيرا بين مناطق باجة في مصادر مياه الشرب، والمشاريع الرسمية تكشف حجم الاستثمار في تحسين التزود، بينما يطرح الواقع الميداني سؤالا أبسط: هل وصل الماء فعلا إلى كل من يفترض أن يصل إليه؟
ومن هنا تبدأ “خريطة العطش”: ليست خريطة للأماكن التي انخفضت فيها الأمطار فقط، وإنما خريطة للأماكن التي يصبح فيها الوصول إلى الماء عملا إضافيا، وتتحول فيها المسافة إلى كلفة، وتتحول الكلفة إلى وقت ضائع، ويتحول الوقت الضائع إلى دخل أقل وراحة أقل وفرص أقل.
في رأس الواد، لا تحتاج لطيفة إلى رقم جديد كي تعرف معنى العطش. هي تعيشه كل يوم. لكن وظيفة التحقيق ليست أن يكرر تجربتها، وإنما أن يسأل لماذا تستمر، وما الذي تفسره الطبيعة، وما الذي تفسره البنية التحتية، وما الذي يمكن أن تغيره السياسات العامة.
وعندما نعود في نهاية القصة إلى لطيفة، يصبح السؤال أكبر من الوادي والطريق والماء الذي تحمله على ظهر الدابة: عندما تصبح المياه أكثر ندرة، من يملك القدرة على الوصول إليها، ومن يتحمل كلفة غيابها؟
هذا التقرير مشروع تخرج من الدفعة الثانية من دبلوم صحافة المناخ الذي تنظمه مدرسة المناخ بدعم من مجتمع التحقق العربي.