• الجمعة. أبريل 17th, 2026

إذاعة السيدة - Essaida FM

أول إذاعة تهتم بنشر ثقافة حقوق الإنسان

كلفة العدالة الحيضية في تونس: بين البحث عن الكرامة وهجرة الفتيات من المدارس

أبريل 16, 2026

ﻛﻠﻔﺔ اﻟﻌداﻟﺔ اﻟﺣﯾﺿﯾﺔ ﻓﻲ ﺗوﻧس:
ﺑﯾن اﻟﺑﺣث ﻋن اﻟﻛراﻣﺔ وھﺟرة اﻟﻔﺗﯾﺎت ﻣن اﻟﻣدارس

في خضمّ الأرقام والبيانات المتجددة التي تكشف عن تضخم مستمر في أسعار المواد المصنّعة، يقف حق الفتيات في تونس في الحصول على مستلزمات الحيض الأساسية على محكّ التحدي الأكبر.

هذا التحقيق ليس مجرد محاولة لسرد حقائق وأرقام، بل هو رحلة استقصائية تكشف عن كلفة العدالة الحيضية التي تدفعها الفتيات بأغلى ما يملكن: كرامتهن ومستقبلهن التعليمي.

ورغم نقص البيانات الرسمية، نسعى من خلال هذه السطور المتفرقة إلى رصد حجم المعاناة الحقيقية الناتجة عن ارتفاع الأسعار واحتمال الانقطاع عن التعليم، لوضع أمام صناع القرار ملفًا حيويًا يتطلب استجابة عاجلة لضمان حقوق فعلية للمرأة التونسية، بعيدًا عن الوصم والتهميش.

ويؤكد هذا التحقيق أن العدالة الحيضية ليست مجرد مطلب صحي، بل اختبار يومي يمسّ جوهر حقوق الإنسان الأساسية، ويدعو إلى تدخلات سياسية واجتماعية عاجلة للتخفيف من العبء المتزايد على الفتيات والنساء وتمكينهن من كسر دائرة الحرمان.

مفهوم فقر الدورة الشهرية

يعني فقر الدورة الشهرية أن كثيرًا من الفتيات والنساء يعجزن عن توفير مستلزمات النظافة الصحية اللازمة خلال فترة الحيض، مثل الفوط الصحية أو البدائل الآمنة، وذلك بسبب محدودية الموارد المالية أو ضعف البنية التحتية للمياه والصرف الصحي (Menstrual hygiene – WHO).

وينعكس هذا النقص في أبسط الحقوق الإنسانية، حيث تصبح الغيابات المدرسية المتكررة واقعًا مفروضًا على الفتيات، وتزداد احتمالات حرمانهن من التعليم أو تراجع اندماجهن الاجتماعي، كما قد ترتفع المخاطر الصحية والنفسية الناتجة عن استخدام بدائل غير آمنة، والتي قد تؤدي أحيانًا إلى مضاعفات صحية خطيرة.

ويؤثر هذا الوضع على الصحة الجسدية والنفسية، مثل الصدمة التسممية، ويرفع من معدلات الغياب عن المدرسة أو العمل، مما يعكس أحد أشكال عدم المساواة بين الجنسين.

وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن فقر الدورة الشهرية يؤثر على الصحة الإنجابية والنظافة الشخصية، وهو ما تؤكده المختصة في الصحة الجنسية وفاء الذوادي.

كما يوضح صندوق الأمم المتحدة للسكان (UNFPA) أن عدم الوصول إلى منتجات الحيض والخدمات الصحية والمعلومات المتعلقة بالنظافة يُعدّ عاملاً مهماً يؤثر على الصحة والتعليم وتمكين النساء والفتيات (Menstrual Health Management).

الفوط الصحية في تونس: عبء الأسعار مستمرارتفاع أسعار الفوط الصحية ومنتجات الحيض لم يكن حدثًا عابرًا، بل يعكس تضخمًا متواصلاً في أسعار المواد المصنّعة منذ سنوات.

في تونس، تُصنّف هذه المنتجات ضمن “المنتجات الورقية للاستعمال المنزلي والصحي” (الرمز 17.22)، ما يجعلها خاضعة لنسبة مرتفعة من الأداء على القيمة المضافة، وهو ما يساهم في رفع أسعارها على المستهلك. كما تندرج ضمن فئة المواد المصنّعة تحت رمز CTP2009.

وتشمل هذه الفئة أيضًا حفاضات الأطفال، بينما تُدرج بعض منتجات العناية الشخصية المرتبطة بالحيض ضمن فئة “المواد الكيميائية – العطور ومنتجات العناية الشخصية” (الرمز 20.42).

وفق بيانات المعهد الوطني للإحصاء، بلغت نسبة التضخم عند الاستهلاك العائلي 5% خلال شهر سبتمبر 2025، مقارنة بـ6.7% في سبتمبر 2024، أي بانخفاض يقارب نقطتين مئويتين.

ورغم هذا التراجع النسبي، إلا أن أسعار المواد المصنّعة ما تزال مرتفعة، إذ سجل مؤشرها قفزة بلغت 9.4% في سبتمبر 2025، وهي أعلى زيادة منذ بداية العام.

أما البنك الدولي، فتوقّع نموًا اقتصاديًا بنسبة 1.9% لتونس في 2025، كما أشار صندوق النقد الدولي إلى أن نسبة التضخم قد تبلغ 5.9% في 2025 و6.1% في 2026، ما يعني أن الضغوط على الأسعار ستظل قائمة خلال السنوات المقبلة.

وتُظهر هذه المؤشرات أنه رغم تراجع التضخم العام، فإن أسعار المواد المصنّعة—ومنها منتجات الحيض—تواصل ارتفاعها بوتيرة أسرع، مما يزيد العبء المالي على الأسر التونسية، خصوصًا في الفئات الهشّة، ويؤثر بشكل مباشر على قدرة الفتيات والنساء على الحصول على منتجات صحية أساسية، وبالتالي على تعليمهن وصحتهن وكرامتهن.

رﺳم ﺑﯾﺎﻧﻲ :اﻟﻛﻠﻔﺔ اﻟﺳﻧوﯾﺔ ﻟﻠﺗﺿﺧمINS-

كلفة الفوط الصحية في تونس

حسب دراسة لمنظمة اليونيسف (UNICEF)، يُقدّر متوسط استهلاك كل فتاة حوالي 25 فوطة شهريًا. وتُستخدم هذه المعطيات لحساب التكلفة الشهرية والسنوية، بما يبرز حجم العبء المالي الحقيقي الذي تتحمله النساء وأسرهن

هذا الربط بين ارتفاع الأسعار وتكاليف الاستهلاك يجعل الصورة أوضح حول حجم التأثير الاقتصادي والاجتماعي لهذه الزيادة، ويؤكد الحاجة إلى سياسات دعم تخفف من هذا العبء وتوفر وسائل وصول آمنة ومستدامة لمنتجات الحيض الأساسية

ومن خلال الجدول والرسم البياني أدناه، تم احتساب التكاليف الشهرية والسنوية لهذه المنتجات. واعتمادًا على أسعار الفوط الصحية في متجر “جيان” (Géant تونس)، وهو أحد أكبر سلاسل التوزيع في البلاد، يظهر تباين واضح في الأسعار حسب الشركة المصنّعة، مما يؤثر بشكل مباشر على التكلفة الشهرية والسنوية لفترة الحيض

اﻟﻣﺻدر ﺷرﻛﺔ géant

تفيد البيانات المجمّعة من موقع “جيان” ومن المعاينات الميدانية للأسعار أن أسعار الفوط الصحية تختلف حسب العلامة التجارية ونوع المنتج وعدد القطع في كل عبوة، وقد أُدرجت كافة التفاصيل الدقيقة في الجدول التالي حسب كل منتج وسعره.

اﻟﻣﺻدر:ﺑﯾﺎﻧﺎت ﻣﺟﻣﻌﺔ ﻣن اﺳﻌﺎر ﻣوﻗﻊ géant

عند التفكير في فترة الحيض التي تمتد حتى 40 سنة، يصبح العبء المالي الكلي الذي تتحمله المرأة واضحًا للغاية، حيث تتراوح التكلفة بين 5904 دينارًا لعلامة “نانا” و7488 دينارًا لعلامة “أولويز

هذا التفاوت الكبير يعكس تأثير التضخم المستمر وارتفاع الأسعار على قدرة الأسر على توفير هذه المنتجات الأساسية، ما يضيف ضغطًا إضافيًا على النساء لضمان حصولهن على هذه الاحتياجات الصحية بشكل مستدام وبأسعار ميسورة

ﺣﺟم اﻹﻧﻔﺎق اﻟطوﯾل اﻷﻣد ﻋﻠﻰ اﻟﻔوط اﻟﺻﺣﯾﺔ ﻟﻛل ﻣﺎرﻛﺔ ﺧﻼل ﻓﺗرة 40 ﺳﻧﺔ ﻣن اﻟﺣﯾض
اﻟﻣﺻدر:ﺑﯾﺎﻧﺎت أﺳﻌﺎر geant +ﺑﯾﺎﻧﺎت ﻣوﻟدة

هذا ما تؤكده دكتورة النساء والتوليد، الطبيبة دنيا الوسلاتي، التي تشير إلى أن العار الاجتماعي والخجل المرتبطين بالحيض لا يزالان يشكلان عائقًا أمام الحديث عنه بشكل طبيعي، وهو ما ينعكس سلبًا على صحة الفتيات النفسية والجسدية

بين التضخم وتكاليف الاستهلاك الطويلة الأمد، تتضح الحاجة الملحّة لوضع سياسات ودعم يساهم في التخفيف من العبء المالي والاجتماعي على النساء، ويضمن لهن الوصول إلى منتجات الحيض الضرورية بأمان واستقرار، وهو أمر أساسي للحفاظ على كرامتهن الصحية والاجتماعية.وبناءً على هذا الارتباط، فإن فقر الدورة الشهرية يؤدي إلى انقطاع الفتيات عن التعليم، بسبب ضعف الوعي المجتمعي وصعوبة كسر الوصمة المرتبطة بفترة الحيض، إلى جانب تحديات كبيرة في المرافق التربوية والصحية، مما يجعل المرأة تواجه صعوبات متعددة ويؤدي إلى هدر كرامتها الصحية والاجتماعية.الأثر الاقتصادي والاجتماعي لفقر الدورة الشهرية
يركّز هذا التحقيق على المناطق التي تتقاطع فيها نسب الفقر المرتفعة مع ظاهرة الانقطاع المدرسي الكبير، حيث تم اختيار ولايتي القصرين وسليانة كنموذجين بارزين لدراسة الأثر الاقتصادي والاجتماعي لفقر الدورة الشهرية. ويعكس اختيار هاتين المنطقتين حجم التحديات التي تواجه الفتيات والنساء الريفيات، خاصة من حيث التكاليف المالية المرتفعة لتوفير منتجات الدورة الشهرية في ظل ضعف القدرة الشرائية وغياب الدعم الحكومي الكافي.

كما أن معاناة الفتيات في الجهتين مع انقطاع التمدرس غالباً ما ترتبط بعدم توفر حاجيات النظافة الشهرية الأساسية، مما يكرس دائرة تهميش ويعرضهن لمخاطر صحية واجتماعية متزايدة
اختيار القصرين وسليانة جاء ليجسد صورة حية لفقر الدورة الشهرية كتجربة إنسانية مركبة تعيشها الفتيات في أكثر المناطق هشاشة في تونس
دعاء فتاة من القصرين، تحمل في قلبها قصة صمود وعزيمة رغم الصعوبات التي تحاصرها من كل جانب. في كل مرة تأتيها الدورة الشهرية، تعيش دعاء أياماً صعبة؛ فبدلاً من الفوط الصحية التي تحرمها الظروف الاقتصادية من شرائها، تلجأ إلى استخدام “طروف قماش” قديمة، محاولة أن تحافظ على كرامتها في ظل نقص المساعدات والدعم

رغم تكرار الرسوب في السنة السابعة والثامنة أساسي، ولحظة انقطاع شقيقتها عن المدرسة بعد أن لم تستطع تحمّل التنمّر القاسي من زملائها، لم تيأس دعاء. ترى في التعليم طوق نجاتها الوحيد، سبيلها للخروج من دوامة الفقر والوصم الاجتماعي. تشعر بثقل العبء، لكنها تردّد في نفسها دائمًا: “لن أدع هذه الظروف تحطمني، سأكمل دراستي لأحقق حلمي.”قصتها ليست مجرد حكاية فردية، بل مرآة تعكس واقع العديد من الفتيات في المناطق الفقيرة في تونس، حيث يتداخل الفقر الاقتصادي بالوصم الاجتماعي ليخلق عائقًا ضخمًا أمام حق الفتيات في التعليم والكرامة الصحية.دعاء تعلم أن الطريق لن يكون سهلًا، لكنها تجسد بالأمل والإصرار قصة مواجهة فقر الدورة الشهرية بكل قسوته، لتكون صوتًا للباحثات عن مستقبل أفضل.الخجل والشعور بالوصم، خاصة عندما لا تتوفر للفتيات المعلومات والدعم المطلوب خلال فترة الحيض، يؤديان إلى مشاعر ذنب عميقة، حسب تصريح المختصة في علم النفس إيناس بن سليمة، فالكثير منهن يشعرن بالرفض والإحساس بعدم الانتماء، وتتمّن بعضهن لو لم يكن من جنس الإناث، مما يعكس الحاجة الملحّة لتعزيز التوعية والدعم النفسي والاجتماعي لتمكين الفتيات من مواجهة هذه المشاعر وتحقيق مشاركة أكثر صحية وإيجابية.

هذا الرسم البياني يقدم لمحة عامة عن واقع التعليم ومعدلات الأمية بين الجنسين، بالإضافة إلى بعض مؤشرات الإقامة والتوزيع الجغرافي في الولايات ذات النسب الأعلى من الأمية

وتُظهر البيانات ضرورة تركيز الدعم التربوي والاجتماعي في هذه المناطق بهدف تحسين مؤشرات التعليم والحد من الفقر الأكاديمي وتعزيز الوعي الاجتماعي بالصحة والتعليم


اﻟﻣﺻدر: ﺑﯾﺎﻧﺎت ﻣوﻟدة ﻣن اﻟﻧﺷرة اﻹﺣﺻﺎﺋﯾﺔ ﺣول اﻟﺗﻌﻠﯾم ﻟﻠﻣﻌﮭد اﻟوطﻧﻲ ﻟﻺﺣﺻﺎء

على الرغم من توفر بنية تحتية من المبيتات والغرف، إلا أن هناك نقصًا في الاستغلال الفعلي لبعض الغرف، مما يشير إلى وجود فاعل يمكن تحسينه لتعزيز الاستفادة من الموارد المتاحة

:يوضح الجدول التالي تفسيرًا أدق لتحديات الإقامة والتأهيل في المبيتات المدرسية

اﻟﻣﺻدر: وﺛﯾﻘﺔ اﻹﺣﺻﺎء اﻟﻣدرﺳﻲ ﻟﺳﻧﺔ 2024/2025 ﻣن وزارة اﻟﺗرﺑﯾﺔ

ومن خلال تحليل أعداد المقيمين في المبيتات المدرسية، يتبين أن الغالبية العظمى هن من الفتيات، بنسبة تصل إلى أكثر من 60٪، مما يضع ضغطًا إضافيًا على مرافق الصحة والتعليم داخل المبيتات

وهو ما يسلط الضوء على الحاجة الماسّة لتوفير دعم تعليمي وصحي ملائم، خصوصًا في سياق معدل أمية مرتفع، لضمان استفادة الفتيات من الخدمات التربوية والصحية المتوفرة بشكل فعّال

ورغم الجهود، يُظهر الجدول أن نسبة الغرف غير المستغلة تُعد ملحوظة، مما قد يشير إلى نقص في التمويل أو سوء في التسيير، أو وجود عوائق تحول دون وصول المستفيدات إلى المبيتات

اﻟﻣﺻدر: وﺛﯾﻘﺔ اﻹﺣﺻﺎء اﻟﻣدرﺳﻲ ﻟﺳﻧﺔ 2024/2025 ﻣن وزارة اﻟﺗرﺑﯾﺔ

يربز هذا الرسم البياني هذه المؤشرات بوضوح ويدعم ما ذُكر أعلاه: هناك فجوة بين الإمكانيات المتوفرة وعدد المستخدمين الفعليين، وهو ما يستوجب تدخلات عاجلة في الإدارة وتوجيه الموارد لضمان الاستغلال الأمثل وتحسين جودة الخدمات المقدمة للفتيات في هذه المناطق ذات نسب الأمية المرتفعة. إذ إن تحسين المرافق التعليمية والإقامة يمثل مفتاحًا أساسيًا للحد من معدلات الانقطاع المدرسي ورفع مستويات التعليم بهذه الولايات، خاصة القصرين التي تُعد من أكثر الولايات تهميشًا من هذا المنظور.

ناجية العلوي، ابنة القصرين، مختصة في طب الإنعاش ومستشارة علاقات أسرية، عايشت قصص العديد من الفتيات اللواتي حُرمن من التعليم نتيجة فقر الدورة الشهرية

تتحدث ناجية العلوي عن جوهر المشكلة التي تواجه الفتيات في المناطق الفقيرة مثل القصرين، والتي تتمثل في ضعف التواصل وغياب تمكين الفتيات من حقهن في المعرفة حول الحيض. وتؤكد أن الجهل بالنظافة الشخصية وغياب التربية الجنسية المناسبة يؤديان إلى تعميق الأزمة

تقول ناجية العلوي إن “الكثير من الفتيات لا يعرفن كيف يعتنين بأنفسهن خلال فترة الدورة الشهرية، وهذا لا يعود فقط إلى نقص الموارد، بل إلى غياب المعلومات الصحيحة والدعم الأسري والمجتمعي.” هذا الجهل يفاقم الوصم والعار، وهو ما يدفع الفتيات إلى الخجل والانغلاق، ويزيد من خطر انقطاعهن عن المدرسة

لذلك، تؤكد ناجية العلوي أن توفير التربية الجنسية الصحية والمعلومات الصحيحة للمراهقات، إلى جانب توفير مستلزمات الحيض، هو مفتاح الحد من هذه الظاهرة، وتمكين الفتيات من التمتع بحقوقهن في الصحة والتعليم بكرامة وسلامة. وهذا يتطلب تدخلات مجتمعية وحكومية وتربوية وصحية متكاملة لاستعادة حقوق البنات وتحسين ظروفهن

ﻗﻠﺔ اﻟوﻋﻲ وﺷﺑﮫ ﻏﯾﺎب ﻟﻺﺣﺎطﺔ

ﺗﺷﯾر ﺑﯾﺎﻧﺎت اﻹﺣﺻﺎء اﻟﻣدرﺳﻲ 2024/2025 إﻟﻰ ﺿﻌف ﻣﺷﺎرﻛﺔ اﻟﻔﺗﯾﺎت ﻓﻲ اﻟﻧوادي اﻟﻣدرﺳﯾﺔ ﻣﻘﺎرﻧﺔ ﺑﺎﻟذﻛور، ﺧﺎﺻﺔ ﻓﻲ اﻟوﻻﯾﺎت اﻷﻛﺛر ﻓﻘراً وارﺗﻔﺎع ﻧﺳﺑﺔ اﻷﻣﯾﺔ ﻓﯾﮭﺎ. ھذا اﻟﺗﻔﺎوت ﯾﻌﻛس ﻧﻘص اﻟوﻋﻲ واﻟدﻋم اﻟﺿروري ﻟﻠﻔﺗﯾﺎت ﺣول اﻟدورة اﻟﺷﮭرﯾﺔ وﻣﻣﺎرﺳﺎت اﻟﻧظﺎﻓﺔ اﻟﺷﺧﺻﯾﺔ

رﺳم ﺑﯾﺎﻧﻲ ﻣوﻟد ﻣن وﺛﯾﻘﺔ اﻹﺣﺻﺎء اﻟﻣدرﺳﻲ ﻣن وزارة اﻟﺗرﺑﯾﺔ ﻟﻠﺳﻧﺔ اﻟدراﺳﯾﺔ 2024/2025

فعلى سبيل المثال، في ولاية القصرين، من بين 357 تلميذًا في 20 ناديًا علميًا، شاركت 22 فتاة فقط، أي أقل من 6.2٪، ما يوضح وجود معوقات ثقافية واجتماعية تحول دون تمكينهن من الاستفادة الكاملة من الأنشطة التربوية.

ويُبرز الرسم البياني التالي حجم الفجوة الشاسعة بين مشاركة الفتيات ومشاركة الذكور في النوادي، مقارنة بعدد التلاميذ بصفة عامة في المدارس.

وﯾﺑرز اﻟرﺳم اﻟﺑﯾﺎﻧﻲ اﻟﺗﺎﻟﻲ ﺣﺟم اﻟﻔﺟوة اﻟﺷﺎﺳﻌﺔ ﺑﯾن ﻣﺷﺎرﻛﺔ اﻟﻔﺗﯾﺎت وﻣﺷﺎرﻛﺔ اﻟذﻛور ﻓﻲ اﻟﻧوادي ﻣﻘﺎرﻧﺔ ﺑﻌدد

رﺳم ﺑﯾﺎﻧﻲ ﻣوﻟد ﻣن وﺛﯾﻘﺔ اﻹﺣﺻﺎء اﻟﻣدرﺳﻲ ﻣن وزارة اﻟﺗرﺑﯾﺔ ﻟﻠﺳﻧﺔ اﻟدراﺳﯾﺔ 2024/2025

النوادي المدرسية ليست مجرد فضاءات للأنشطة التعليمية والترفيهية، بل تمثل فضاءات تربوية وإرشادية تدعم الفتيات نفسيًا واجتماعيًا، وتتيح لهن الحصول على معارف علمية موثوقة حول الصحة الجنسية والثقافة الجنسية، مما يسهم في تحسين تجربتهن المدرسية، تمكينهن، واتخاذ قرارات واعية بشأن أجسادهن وصحتهن الإنجابية.
الدراسات المحلية تؤكد أن تعزيز دور النوادي في التربية على الصحة والثقافة الجنسية يرفع من صحة الفتيات النفسية والجسدية ويقلل من الانقطاع المدرسي.الحرمان المبكر من الطفولة
تعتبر الباحثة في علم الاجتماع والمختصة في الوساطة والضبط والتدخل السوسيولوجي ،نسرين العميري، أن التصورات الاجتماعية السائدة حول الدورة الشهرية تحولها إلى قضية صمت مريبة، مما يؤدي إلى أضرار جسيمة للفتاة، إذ تُدرج هذه الظاهرة ضمن مظاهر الحرمان المبكر من الطفولة.
هذا الصمت والوصمة الاجتماعية يحدان من قدرة الفتيات على التعبير عن احتياجاتهن الصحية والتعليمية، وينعكسان بشكل سلبي على نموهن الجسدي والنفسي وعلى فرص استمرارهن في التعليم بشكل طبيعي.

حياة، فتاة تبلغ اليوم من العمر 21 سنة من منطقة حاسي الفريد بولاية القصرين اضطرت إلى الانقطاع عن التعليم
بسبب معاناتها من التمرّد والتنمر والصعوبات التي واجهتها خلال دورتها الشهرية، مما أثر بشكل كبير على تجربتها
المدرسية والنفسية
بعد هذا الانقطاع، وجدت في الفلاحة مساراً بديلاً ومستقبلاً لها، مما يعكس واقع العديد من الفتيات اللاتي يتعرضن لظروف مماثلة وينجحن في إيجاد بدائل رغم التحديات الكبيرة

ﻣن اﻟﻘﺻرﯾن اﻧﺗﻘﻠﻧﺎ إﻟﻰ وﻻﯾﺔ ﺳﻠﯾﺎﻧﺔ ﺣﯾث ﺑﺎدرت ﺟﻣﻌﯾﺔ أم اﻟزﯾن، ﺑﺎﻟﺗﻌﺎون ﻣﻊ ﺟﻣﻌﯾﺔ ﻣﺗطوﻋون ﻓﻲ ﺑوﻋرادة، ﺑﻣﺑﺎدرة ﺗﮭدف إﻟﻰ ﺗزوﯾد اﻟﻔﺗﯾﺎت ﺑﺎﻟﻔوط اﻟﺻﺣﯾﺔ وﺗﺛﻘﯾﻔﮭن ﺣول اﻟﺣﻘوق اﻟﺟﻧﺳﯾﺔ واﻹﻧﺟﺎﺑﯾﺔ

تعاني الفتيات حسب تصريح المديويني من خوف كبير من الحديث عن موضوع الدورة الشهرية، مما يشكل عائقاً رئيسياً أمام وصولهن إلى المعلومات والخدمات الضرورية، وقد التقينا بعزة، فتاة تحدثت بكل حسرة عن اضطرارها للانقطاع عن الدراسة كل شهر بسبب الدورة الشهرية، وهو ما يبرز التأثير العميق لفقر الدورة الشهرية على تعليم الفتيات وحياتهن اليومية.

تعكس معاناة عزة واقعاً معيشياً لا يزال يعتبر موضوع الدورة الشهرية فيه محظوراً، مما يتسبب في حرمان كثير من الفتيات من الدراسة ويؤثر سلباً على مستقبلهن الدراسي والاجتماعي، ويؤكد عمر الوسلاتي القاضي، رئيس جمعية بوعرادة، أن الحل يكمن في دعم منتجات الفوط الصحية أو توفيرها بأسعار رمزية، إلى جانب إنشاء “صندوق كرامة” في كل مبيت مدرسي يضمن للفتيات حقهن في حياة صحية وكريمة ويحد من الانقطاع عن الدراسة بسبب نقص الموارد والوصمة الاجتماعية المرتبطة بالدورة الشهرية

يُعدّ دور المجتمع المدني محورياً في التوعية والتثقيف والمناصرة لمختلف القضايا الحقوقية، غير أنّه يواجه اليوم تحديات كبيرة على مستوى التمويل نتيجة الظرف السياسي الراهن، مما حال دون استكمال العديد من المبادرات والمسارات التي كانت في طور التنفيذ

السياسات والمبادرات المحلية والدولية
تركّز السياسات والمبادرات المحلية والدولية بشأن فقر الدورة الشهرية على توفير مستلزمات الحيض مجاناً أو بأسعار مدعّمة، إلى جانب بناء بنى تحتية صحية وإطلاق حملات توعوية لكسر الوصمة. على المستوى الدولي، تُعدّ اسكتلندا من الدول الرائدة في توفير مستلزمات الحيض مجاناً منذ 2020، كما التزمت شركة Bodyform بتبرعات منتظمة في هذا المجال. في تونس، أطلقت جمعية «و الله وي كان» مشروع «إيكواليبري» لمواجهة فقر الدورة الشهرية عبر تصنيع وتوفير سراويل صحية قابلة للغسل مصنوعة من قطن عضوي 100% ومعتمدة بيئياً، بأسعار ميسّرة تستهدف الفتيات في المناطق الريفية مثل مكثر (ولاية سليانة). غير أنّ هذه المبادرات ما تزال محدودة ومناسباتية، ولم تتوسع لتشمل جميع المناطق المحتاجة، إذ تؤكد المدربة في الصحة الجنسية والإنجابية وفاء الذوادي أن غياب التثقيف حول الحيض يظل من أبرز العوامل التي تحرم الفتيات من حقهن في العدالة الحيضية.

من بين المبادرات التي ما تزال نشطة في تونس، تبرز مبادرة Jasminrose، وهي علامة تجارية تونسية تهدف إلى توفير منتجات حيض صحية ومستدامة على غرار السراويل القابلة للغسل (culottes menstruelles)، المصممة لتكون آمنة، أنيقة وصديقة للبيئة، وتوضح إشراف بن مسعود، رئيسة المؤسسة، أن المبادرة تركز على تقديم حلول اقتصادية ومستدامة للفتيات والنساء، مع ضمان حق المعلومة للجميع، وقد تم إنجاز دليل بعنوان “naturel. c’est règles, Les / L’éducation, c’est un droit” وهو دليل عملي وإنساني يرافق التلميذات مع بداية السنة الدراسية بهدف تمكين الفتيات من فهم دورتهن الشهرية بشكل طبيعي وبعيداً عن الوصم والتابوهات.

فقر الدورة الشهرية والمنطقة العربية
منذ اعتماد خطة التنمية المستدامة لعام 2030 سنة 2015، بذل المجتمع الدولي جهودًا حثيثة لتعزيز الصحة أثناء الدورة الشهرية من خلال مؤشرات مختلفة، واعتماد قرارات في الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، ووضع خطط وطنية وإقليمية لإدارة النظافة الصحية أثناء الدورة الشهرية وتحسين الوصول إلى المنتجات والمعلومات ذات الصلة. ومن خلال بحثنا، توصلنا إلى ورقة سياسات قامت بها الشبكة العربية للمجتمع المدني النسوي تحت عنوان “فقر الدورة الشهرية في المنطقة العربية أزمة تُهمّش النساء في زمن النزاعات”، بينت الدراسة أن عددًا كبيرًا من النساء لا يحصلن على المستلزمات الأساسية لإدارة الدورة بأمان، مما يسبب مشاكل صحية واجتماعية، وقد تفاقمت الأزمة بسبب غلاء الأسعار ونقص المواد، بالإضافة إلى ضعف السياسات الداعمة التي تلبي احتياجات النساء المتعلقة بالدورة الشهرية، وهو ما تثبته ريما النزال عضو الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية ومديرة النجدة الاجتماعية ببرام الله بالأسرى الفلسطينيات

وﻓﻲ ﺗﺻرﯾﺣﮭﺎ ﻟﻧﺎ ،أﻛدت اﻟﻣدﯾرة اﻟﻌﺎﻣﺔ ﻟﻣرﻛز اﻟدراﺳﺎت اﻟﻧﺳوﯾﺔ ،ﺳﻣﺎ ﻋوﯾﺿﺔ،ان ﻣن اﻷﺳﯾرات ﻣن ﺻرّﺣت أﻧﮭﺎ ﻟم ﺗﺣﺻل ﻋﻠﻰ ﻓوط ﺻﺣﯾﺔ وﻟم ﯾُﺳﻣﺢ ﻟﮭﺎ ﺑﺗﻐﯾﯾر ﻣﻼﺑﺳﮭﺎ ﺧﻼل ﺛﻼث دورات ﺷﮭرﯾﺔ ﻣﺗﺗﺎﻟﯾﺔ

مقترح ورقة سياسات

ﺑﻧﺎء ﻋﻠﻰ اﻟﻠﻘﺎءات ﻣﻊ اﻟﻔﺗﯾﺎت وأﯾﺿﺎ اﺳﺗﺑﯾﺎن ﻟﻌﯾﻧﺔ ﻋﺷواﺋﯾﺔ اﺳﺗﻧدﻧﺎ اﻟﯾﮭﺎ ﻓﻲ ﻣﻧﺎطق اﻟﻘﺻرﯾن وﺳﯾدي ﺑوزﯾد واﻟﻘﯾروان وﺳﻠﯾﺎﻧﺔ )ﻋددھﺎ (128 وﺷﮭﺎدات اﻟﻣﺧﺗﺻﺎت واﻟﻣﺧﺗﺻﯾن ﻓﻲ ھذا اﻟﺗﺣﻘﯾق،أوردﻧﺎ ﻛل اﻟﻣﻘﺗرﺣﺎت وأﻛﺛر ﻓﻲ ﻣﺷروع ورﻗﺔ ﺳﯾﺎﺳﺎت ﺣول اﻟﻌداﻟﺔ اﻟﺣﯾﺿﯾﺔ




ﻓﻲ أﻋﻣق ﺗﻔﺎﺻﯾل ﺣﯾﺎة اﻟﻧﺳﺎء واﻟﻔﺗﯾﺎت اﻟﺗوﻧﺳﯾﺎت، ﺗﺧﺗﺑﺊ ﻣﻌﺎﻧﺎة ﺻﺎﻣﺗﺔ رﺑﻣﺎ ﻻ ﯾﻠﺗﻔت إﻟﯾﮭﺎ اﻟﻛﺛﯾرون، ﻟﻛﻧﮭﺎ ﺗﻌﻛس واﻗﻌًﺎ ﻗﺎﺳﯾًﺎ ﯾﺗﺟﺎوز ﻣﺳﺄﻟﺔ ﺑﯾوﻟوﺟﯾﺔ ﺑﺣﺗﺔ. اﻟﻌداﻟﺔ اﻟﺣﯾﺿﯾﺔ ﻟﯾﺳت ﻣﺟرد ﺣق ﻓﻲ اﻟوﺻول إﻟﻰ ﻣﻧﺗﺟﺎت اﻟﻧظﺎﻓﺔ اﻟﺻﺣﯾﺔ؛ إﻧﮭﺎ ﻗﺻﺔ ﻛراﻣﺔ، وﻋداﻟﺔ، وﺣق إﻧﺳﺎﻧﻲ أﺳﺎﺳﻲ ﯾﺟب أن ﯾﺗﺟﺎوز اﻟﺻﻣت واﻟﻣراوﻏﺔ.
ﻣن ﻗﻠب اﻷﺣﯾﺎء اﻟﺷﻌﺑﯾﺔ وﻣﻧﺎطق اﻟرﯾف ﻓﻲ ﺗوﻧس، ﺗرﺗﻔﻊ أﺻوات ﻧﺳﺎء وﻓﺗﯾﺎت ﯾﻛﺎﻓﺣن وﺻﻣﺔ اﻟﻌﺎر واﻟﺧﺟل اﻟﺗﻲ رُﺳﻣت ﺣول اﻟدورة اﻟﺷﮭرﯾﺔ، وﺳط ﺗﺣدﯾﺎت اﻗﺗﺻﺎدﯾﺔ واﺟﺗﻣﺎﻋﯾﺔ ﺗﺣرﻣﮭن ﻣن أﺑﺳط وﺳﺎﺋل اﻟﻌﻧﺎﯾﺔ اﻟﺻﺣﯾﺔ.
ھذا اﻟﺗﺣﻘﯾق ھو ﺻرﺧﺔ واﺿﺣﺔ وﻣوﺟﮭﺔ إﻟﻰ ﺻﻧﺎع اﻟﻘرار: ﻻ ﻣﺟﺎل ﻟﻠﺗﻘﺎﻋس أو اﻟﺗﺄﺟﯾل ﻓﻲ ﺻﻧﻊ ﺳﯾﺎﺳﺎت ﺗﺿﻣن ﺣق ﻛل اﻣرأة وﻓﺗﺎة ﻓﻲ ﺣﯾﺎة ﻛرﯾﻣﺔ، ﺑﻌﯾدًا ﻋن اﻟوﺻم واﻟﺗﻣﯾﯾز.
اﻟﻌداﻟﺔ اﻟﺣﯾﺿﯾﺔ ﻟﯾﺳت رﻓﺎھﯾﺔ، ﺑل ﺿرورة ﺣﯾوﯾﺔ ﻟﺗرﺳﯾﺦ اﻟﻣﺳﺎواة وﺗﻣﻛﯾن اﻟﻧﺳﺎء ﻣن ﻣواﺻﻠﺔ ﺣﯾﺎﺗﮭن ﺑﻛﺎﻣل اﻟﺣﻘوق واﻟﻔرص. وﻟدت ھذه اﻟﻌداﻟﺔ ﻣن رﺣم اﻟﻣﻌﺎﻧﺎة، ﻟﺗﻛون ﺑﻣﺛﺎﺑﺔ ﻣﯾﻼد ﺟدﯾد ﻟﺣﻘوق ﺣﻘﯾﻘﯾﺔ ﺗﺳﺗوﺟب اﻻﺣﺗرام واﻟﺗﻔﻌﯾل ﻓﻲ ﺗوﻧس اﻟﯾوم وﻏدًا.

ﻧﺟوى اﻟﮭﻣﺎﻣﻲ

ﺗم ﺗﻧﻔﯾذ ھذا اﻟﻌﻣل ﻓﻲ إطﺎر ﺑرﻧﺎﻣﺞ اﻟﺗدرﯾب واﻟﻣراﻓﻘﺔ ﻓﻲ ﻣﺟﺎل ”ﺻﺣﺎﻓﺔ اﻟﺑﯾﺎﻧﺎت“ اﻟذي أطﻠﻘﮫ / Arabic
وﻣﺟﻣوﻋﺔ اﻟﺑﻧك اﻟدوﻟﻲ وﻣرﻛز اﻟﻣرأة اﻟﻌرﺑﯾﺔ ﻟﻠﺗدرﯾب (UNFPA) ﺻﻧدوق اﻷﻣم اﻟﻣﺗﺣدة ﻟﻠﺳﻛﺎن ﻓﻲ ﺗوﻧس
TDLP ﺿﻣن ﺑرﻧﺎﻣﺞ ”ﺗﻌزﯾز ﺛﻘﺎﻓﺔ اﻟﺑﯾﺎﻧﺎت ﻓﻲ ﺗوﻧس (CAWTAR) واﻟﺑﺣوث