على مر التاريخ، تطورت الفالوسنترية من التركيز الكلاسيكي على مركزية الذكر في الفلسفة والمعرفة إلى المفهوم التفكيكي الذي صاغه دريدا في الستينات، ومن ثم توسّع إلى النقد النسوي في السبعينات والثمانينات لتحليل الهيمنة الذكورية في اللغة والثقافة، وصولًا إلى الفالوسنترية الرقمية اليوم التي تنتقل عبر وسائل التواصل والخوارزميات. يوضّح الجدول الزمني هذا التطور:.في زاوية جانبية من مقهى “تحت السور” بباب سويقة، جلست سيماء، صحفية ، أمام حاسوبها المحمول. الطاولات حولها مأهولة برجال اعتادوا المكان منذ سنوات؛ ضحكات مرتفعة، نقاشات سياسية، ودخان سجائر يعلّق في الهواء كطبقة خفيفة من التاريخ
لم يكن جلوسها هناك حدثًا استثنائيًا في الظاهر. لا أحد طلب منها المغادرة، ولا لافتة تمنع النساء من الدخول. ومع ذلك، كانت تدرك أنها تكتب في فضاء لم يُصمَّم لها أصلًا. فتحت ملف المقال الذي تعمل عليه: تحقيق عن العنف الرقمي ضد النساء في تونس. وقبل أن تبدأ الفقرة
“التالية، رفعت هاتفها، التقطت صورة سريعة لنفسها أمام فنجان القهوة، وكتبت على فيسبوك: “نكتب اليوم عن الفضاء العام… من قلبه
لم تمضِ عشر دقائق حتى بدأت الإشعارات تتوالى. تعليق أول: “كان مشيت عرست ولمّيت روحك أحسن.” ثم آخر: “شنو تعمل وحدك في قهوة رجال؟” وثالث: “هاو التحرّر متاعكم.” لم تكن
هذه التعليقات مجرد كلمات، بل إشارات صامتة للحدود التي يُفترض أن تحافظ عليها النساء في الفضاء العام
جلست سيماء في المكان نفسه، بين الطاولات ذاتها، لكن شيئًا تغيّر. لم يعد السؤال في عيون الجالسين فقط؛ صار على الشاشة أيضًا. الفضاء الذي بدت وكأنها “تقتحمه” جسديًا أعاد تأديبها رقميًا.
لم تكن المسألة تعليقًا عابرًا، بل اشتغالًا كاملًا لمنظومة قديمة تجعل المكان للرجل،
.وتجعل الظهور يحتاج إذنًا، وتجعل الصوت يُجازى إن خرج عن الدور المرسوم
في المقهى نفسه تتجاور ثلاثة أزمنة: سلطة الأب، وسلطة الجماعة، وسلطة الخوارزمية. وبين نهج ضيق وشاشة مضيئة، تكتشف تونس أن المركز لم يختفِ، بل تغيّر شكله فقط. وسيماء،
.الجالسة بين الطاولات ذاتها، تمثل اليوم وجهًا حيًا لتلك الإحصاءات، تجربة يومية تنبّه إلى واقع رقمي واجتماعي يحتاج قراءة وتفهما أعمقا
“تقول سيماء أن” العنف الرقمي يتجاوز الأبعاد الفردية ويعكس منطق اجتماعي أوسع وهو إعادة انتاج امتيازات الذكور وان صوت المرأة اقل شرعية وأمانا
.تجربة سيماء تكشف كيف تعمل الفالوسنترية على مستويات مختلفة، من الفضاء العام إلى الخوارزميات الرقمية، حيث يُقاس حضور المرأة وفق معايير ذكورية وتُعاد إنتاجها يوميًا
ماهي الفالوسنترية؟
الفالوسنترية ليست مجرد انحياز لهيمنة الذكر، بل هي منظومة رمزية تجعل الذكورة معيار التقييم والمركز الذي يُقاس به القوة، العقلانية، والشرعية الاجتماعية. استخدم الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا
المصطلح لوصف كيفية بناء المعرفة على ثنائية المركز/الهامش، حيث يكون الذكر هو الأساسي والأنثى الرديف أو خارج المركز. في تونس، تتجلّى هذه الهيمنة في الأمثال والممارسات
الاجتماعية
اليومية، مثل: “مراة بالف راجل” التي تربط قيمة المرأة بالرجل الذي تعيش معه، و”عيشة راجل” التي تشدد على ضرورة عيش المرأة وفق قواعد الرجل، و”ما عندهاش راجل يحكمها” لتحقي المرأة
“المستقلة، إلى جانب أمثال أخرى مثل “المرأة نصف المجتمع… لكنها تكمّل الرجل
وتشير الباحثة في الاتصال والجندر مريم ولاد شايب إلى أن الفالوسنترية اوالمركزية القضيبية ترتبط دائمًا بالنوع الاجتماعي، كونها منظومة فكرية تعطي الذكور مكانة مهيمنة وتضعهم كمقياس
.للسلطة والمعايير الإجتماعية
على مر التاريخ، تطورت الفالوسنترية من التركيز الكلاسيكي على مركزية الذكر في الفلسفة والمعرفة إلى المفهوم التفكيكي الذي صاغه دريدا في الستينات، ومن ثم توسّع إلى النقد النسوي في
:السبعينات والثمانينات لتحليل الهيمنة الذكورية في اللغة والثقافة، وصولًا إلى الفالوسنترية الرقمية اليوم التي تنتقل عبر وسائل التواصل والخوارزميات. يوضّح الجدول الزمني هذا

اليوم، ومع انتشار الشبكات الاجتماعية، لم يعد الطريق لتحقيق هذه الهيمنة مقتصرًا على الكلام في المقهى أو الموقف في الشارع. بدلًا من ذلك، أصبحت الخوارزميات وسيطًا جديدًا، فهي لا تُفضّل قيمة
.اجتماعية معينة، لكنها تعطي الأفضلية لما يولّد تفاعلًا، وغالبًا ما يكون محتوى مثيرًا أو عدائيًا، بما في ذلك ما يطال النساء بشكل خاص، وهو ما يسمى الفالوسنترية الرقمية
العنف القائم على النوع الاجتماعي الذي تسهله التكنولوجيا
أحدث الدراسات الوطنية تظهر أن العنف القائم على النوع الاجتماعي الذي تسهله التكنولوجيا ضد النساء في تونس آخذ في التوسع بشكل مدوٍ. وفق دراسة وطنية صادرة عن صندوق الأمم المتحدة
للسكان بتونس (UNFPA) في نوفمبر 2025، تعرضت نحو 60% من النساء التونسيات لعنف رقمي قائم على النوع الاجتماعي خلال حياتهن، شمل التحرش عبر الإنترنت، التهديد، الملاحقة
. الرقمية، ونشر محتوى مسيء أو تشهيري ضدهن
الدراسة، التي شملت 741 امرأة فوق سن 18 سنة من مختلف الجهات التونسية، استُخدمت فيها استبيانات هاتفية ومجموعات نقاش بؤرية، وأظهرت أن العنف الرقمي امتداد فعلي للعنف القائم على النوع
.في الحياة الواقعية، وأن آثاره تتواصل داخل الفضاء الرقمي
في السياق الأوسع، أُعلن في ديسمبر 2025 عن دليل للأمن الرقمي أعدته جمعية “أصوات نساء” لتعزيز وعي النساء والفتيات حول مخاطر الفضاء الإلكتروني وأدوات التوقّي من أشكال العنف
.الإلكتروني، بما في ذلك التحرش، التهديد، والابتزاز

“نحن نشهد ارتفاعًا مقلقًا في ظاهرة العنف الرقمي الموجّه ضد النساء”، تقول الناشطة والحقوقية نائلة الزغلامي، موضحة أن هذا
النوع من العنف “لا يقل خطورة عن العنف المادي أو النفسي، وقد
.تكون آثاره أعمق”، إذ ينعكس على الصحة النفسية للنساء ويؤدي إلى القلق، الاكتئاب، والعزلة، وقد يصل في بعض الحالات
.القصوى إلى الانتحار
وتضيف الزغلامي: “النساء الفاعلات في الحياة العامة، مثل الناشطات في المجتمع المدني، الإعلاميات، السياسيات، وصانعات
المحتوى، هنّ الأكثر عرضة للاستهداف من خلال حملات منظمة تشمل الشتائم، التشويه، التهديد، والملاحقة الإلكترونية، ما يدفع
.”الكثيرات إلى الانسحاب من الفضاء العام خوفًا من التصعيد
وحول الإطار القانوني، تقول الزغلامي: “تونس تمتلك قانونًا مهمًا، وهو القانون عدد 58 لسنة 2017، الذي يجرّم كافة أشكال
العنف ضد النساء، لكنه لا يتضمن بروتوكولًا خاصًا بالعنف الرقمي، مما يجعل ملاحقة مرتكبي هذا النوع من الجرائم أمرًا معقّدًا
.”أما المرسوم 54، فهو غير ملائم لمعالجة العنف الرقمي الموجّه ضد النساء، والعديد من الحقوقيات يرفضن اللجوء إليه
وتؤكد الزغلامي على ضرورة “وضع ملحق تشريعي جديد يُدمج ضمن قانون 58، يهدف إلى تعريف دقيق للعنف الرقمي، وإرساء
آليات واضحة للتبليغ والحماية، وتوفير مرافقة نفسية وقانونية للضحايا، وضمان محاسبة فعّالة للجناة في الفضاء الافتراضي”
مضيفة أن “مواجهة العنف الرقمي أصبحت اليوم ضرورة وطنية مستعجلة، خاصة مع تحوّل الفضاء الرقمي إلى جزء أساسي من
.”الحياة المهنية والسياسية والمدنية
التشهير الرقمي: كيف يُستهدف حضور النساء في الفضاء الرقمي التونسي
في تونس، أصبح التشهير الرقمي وسيلة متكررة لاستهداف النساء، تعتمد على نشر الصور دون إذن وإرفاقها بتعليقات مسيئة وشائعات كاذبة. هذه الممارسات لا تقل خطورة عن التحرش الجسدي، إذ
.تضغط على النساء لإعادة النظر في حضورهن العام وحرية التعبير الرقمي
لعلنا نذكر إحدى أبرز الحالات، حيث أنشأ عدد من الرجال مجموعة على واتساب وشاركوا فيها صور نساء مأخوذة من حسابات عامة على وسائل التواصل، مرفقة بتعليقات مسيئة وشائعات كاذبة
تربطهن بسلوكيات “غير لائقة”. لاحقًا، أعيدت هذه المواد إلى مجموعات أخرى، لتتحول الحملة إلى حملة واسعة النطاق. نتيجة ذلك، اضطرت العديد من النساء إلى حذف حساباتهن والتوقف عن أي
.نشاط رقمي عام، خوفًا من تصعيد الحملة أو انتشارها بشكل أوسع
في مثال آخر، قامت مجموعة من الحسابات على فيسبوك بإنشاء صفحة وهمية تنشر صورًا لمراهقات تونسيات مع تهكم وسخرية جماعية، وتعليقات مزيفة تربطهن بأعمال غير قانونية أو ممارسات
.اجتماعية محرّمة. النساء المستهدفات لم يكن لديهن أي وسيلة لحذف هذه الصفحات، ما دفع بعضهن إلى الابتعاد عن الشبكات الاجتماعية تمامًا
كما تم استهداف مهنيات وناشطات في المجتمع المدني من خلال نشر صورهن من المؤتمرات أو الاجتماعات العامة، مع تعليقات مسيئة تهدف لتشويه السمعة المهنية. هذه الحملات الرقمية لم تُحد من
.حرية التعبير فحسب، بل أثرت مباشرة على حياتهن المهنية والشخصية، وأدت إلى عزلة رقمية مؤلمة
كل هذه الأمثلة توضح أن الفضاء الرقمي في تونس لم يعد مجرد أداة للتواصل، بل أصبح أداة لتعزيز الهيمنة الاجتماعية الذكورية. النساء يمكن أن يُعاقبن على حضورهن العام أو أي محاولة للتعبير عن
.آرائهن بحرية، بينما تتحول المنصات الرقمية إلى مسرح لإعادة إنتاج الممارسات الثقافية القديمة بصيغة رقمية
كيف تعمل الخوارزميات؟ بين الانتباه والتعنيف
الخوارزميات في المنصات الرقمية لا تتخذ قرارات أخلاقية، لكنها تعتمد على مقاييس التفاعل: الإعجابات، التعليقات، المشاركات، والزمن الذي يقضيه المستخدم في مشاهدة المحتوى. المحتوى
. الذي يثير جدلاً أو ينتج ردود فعل قوية يُعطى أسبقية، حتى لو كان ذلك عبر خطاب عنيف ضد النساء
وهو ما يدعمه المختص في الأمن السيبراني، يوسف الجريدي قائلا أن : “الفضاء الرقمي أصبح ميدانًا واسعًا للعنف الرمزي، وليس دائمًا يمكن ملاحقة مرتكبيه بسهولة. الخوارزميات نفسها لا تميز بين
.المحتوى الإيجابي والسلبي، فهي تعطي الأفضلية لما يولّد التفاعل، وما يثير الجدل، حتى لو كان ذلك على حساب النساء أو على حساب أي شخص يدافع عن حقوقهن”
ويضيف الجديدي: “الرجال الذين يناصرون النساء ويتدخلون للدفاع عنهن في النقاشات الرقمية غالبًا ما يكونون عرضة لهجمات منظمة، تهدف إلى تشويه سمعتهم وإسكات أصواتهم. هذا الأمر يظهر أن
“الفالوسنترية الرقمية لا تقتصر على السيطرة على النساء فقط، بل تعمل على تثبيت مركزية الذكور ومواجهة كل صوت يعارض الهيمنة التقليدية
تجريم كل من يدافع عنهن
“لسوء الحظ، ليس العنف الرقمي موجّهًا ضد النساء فقط”، يقول القاضي عر الوسلاتي، موضحًا أن “الرجال الذين يدافعون عن حقوق النساء ويتحدثون ضد الممارسات التمييزية في الفضاء
الرقمي يتعرضون أيضًا للتنكيل والإساءة على نطاق واسع”. ويضيف الوسلاتي: “لقد تعرّضت شخصيًا لحملة فايسبوكية شعواء لأنني دافعت عن حقوق النساء، وناضلت ضد العنف الموجّه إليهن،
.”وشاركت في المسيرات المطالبة بحقوقهن. هذه التجربة تؤكد أن أي صوت يحاول مناهضة الهيمنة الذكورية يُستهدف، سواء كان لدعم النساء أو للمطالبة بالمساواة

ويتابع الوسلاتي: “هذا يوضح أن الفالوسنترية الرقمية ليست مجرد هيمنة على النساء، بل هي منظومة رمزية أوسع تعمل على تثبيت مركزية الذكور في كل النقاشات العامة، وتجعل أي محاولة
“لمناهضة هذه الهيمنة مستهدفة رقميًا
ويختم الوسلاتي “عندما ندرس الفضاء الرقمي في تونس، نرى أن المركزية القضيبية تتجسد عبر الخوارزميات والتفاعلات الاجتماعية، بحيث يُعاقب أي صوت يحاول تحدي المعايير الذكورية،
” سواء كان لصالح النساء أومناصرة للمساواة بين الجنسين
الفضاء الرقمي كمرآة للهيمنة الاجتماعية
تقول الأخصائية في علم الاجتماع نسرين العميري: “في تونس، يُمارس العنف الرقمي ضد النساء بطرق متعددة، تشمل التشهير على نطاق واسع، ونشر الصور والمعلومات الشخصية دون إذن
“والملاحقة الرقمية، وحملات السخرية المنظمة
وتوضح العميري أن هذه الممارسات “ليست مجرد أحداث فردية أو تصرفات شخصية، بل هي امتداد لهيمنة اجتماعية أعمق. الفضاء الرقمي يعكس البنى الثقافية التي تعتبر المرأة هدفًا مشروعًا
لإعادة تثبيت مركزية الذكر. بمعنى آخر، الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي ليست محايدة؛ إنها تعمل كأداة لتأديب النساء وضبط حضورهن الاجتماعي، من خلال أساليب متكررة ومتنوعة تجعل
“.من أي تجاوز للمعايير الذكورية فعلًا ‘محرّمًا’ رقميًا

من منظور سوسيولوجي، تضيف العميري أن هذه الظاهرة تكشف كيف أن الفالوسنترية لم تختفِ مع التحول الرقمي، بل تطورت لتجد لها وسيطًا جديدًا عبر الخوارزميات والتفاعلات الاجتماعية
الحملات المنظمة ضد النساء ليست مجرد شتائم أو مضايقات فردية، بل هي عمليات اجتماعية تعيد إنتاج الحدود التقليدية بين المركز والهامش، بين من له الحق في الكلام ومن يُعاقب على حضوره
.الرقمي
المنظومة الاجتماعية التي تكرّس مركزية الذكورة وجدت في الفضاء الرقمي أداة مضاعفة للهيمنة الرمزية، حيث تُحوّل الخوارزميات التفاعلات اليومية إلى مؤشرات قوة مركزية تُفضّل ما يثير الانتباه
.ويولّد التفاعل، غالبًا على حساب النساء والأصوات المغايرة
في تونس ، لم تعد المنصات الرقمية مجرد وسيلة للتواصل أو التعبير، بل أصبحت ميدانًا لصراع رمزي مستمر بين المركز والهامش، حيث يُختبر فيه من يملك الحق في الكلام ومن يُعاقَب على
استخدامه. هذه الصراعات الرقمية ليست انعكاسًا لحظيًا لواقع اجتماعي محدد، بل استمرار للأنماط الثقافية التي تؤطر السلطة وتعيد تثبيت الفوارق بين الجنسين، وتكشف كيف يمكن للتكنولوجيا أن
.تصبح امتدادًا للهيمنة الاجتماعية بدلًا من أداة للتحرر
لكن يبقى السؤال مفتوحًا: إلى أي مدى ستسمح المنصات الرقمية بإعادة تعريف المركز والهامش، وهل سيجد صوت النساء والأنصار للمساواة مساحة حقيقية للصمود والتأثير؟
نجوى الهمامي
