سلسلة «ثمن الطريق»
كلفة التنقّل: العائق الصامت أمام الصحة الإنجابية للعاملات الفلاحيات في الشمال الغربي التونسي
إعداد: نجوى | تحقيق بيانات ميداني
في الخامسة صباحاً، تكون لطيفة قد غادرت منزلها في رأس الواد، إحدى المناطق الريفية التابعة لمعتمدية نفزة من ولاية باجة. لا تبدأ رحلتها إلى الطبيب من باب المنزل، ولا تنتهي عند باب المستشفى. بين الاثنين أربعة كيلومترات من المسالك الريفية تفصلها عن الطريق الرئيسية، تقطعها أحياناً سيراً على الأقدام، وأحياناً تستعين بحمار، وفي أيام أخرى تضطر إلى استئجار جرار من أحد الجيران حتى تصل إلى وسيلة نقل تقلّها إلى مدينة نفزة. بالنسبة إلى امرأة أخرى، قد تكون هذه المسافة مجرد بضعة كيلومترات؛ بالنسبة إلى لطيفة، هي جزء من فاتورة العلاج.
تعمل لطيفة في الفلاحة مقابل أجر يومي لا يتجاوز عشرين ديناراً. لذلك، حين تحتاج إلى متابعة حمل أو فحص طبي، لا يكفي أن تسأل: أين توجد أقرب خدمة صحية؟ عليها أن تسأل أولاً: كم ستكلّفني الرحلة؟ وكم من الوقت سأغيب عن العمل؟ وهل سأجد الخدمة التي أحتاجها عندما أصل؟ تقول لطيفة:
«كنت نخمم ألف مرة قبل ما نمشي للطبيب. مجرد الوصول للطريق الرئيسية يكلف، وبعدها النقل إلى المدينة، ثم التحاليل والدواء. في برشا مرات كنت نرجع من المستشفى ونلقى الدواء موش موجود، ونضطر نشريه من عند الصيدلي.»
في إحدى زياراتها، لم تكن المشكلة في الطبيب وحده، بل كانت في الطريق إليه، وفي كلفة الوصول، وفي الفحوصات والأدوية التي قد لا تكون متوفرة، وفي اليوم الذي قد تخسره من عملها. فبالنسبة إلى عاملة تعيش من أجر يومي، اليوم الذي تقضيه في الطريق هو أيضاً يوم قد تخسر أجره. وهكذا، تتحول زيارة الطبيب من خدمة صحية يُفترض أن تكون متاحة إلى معادلة حسابية: أجرة النقل + الوقت الضائع + أجر يوم العمل المفقود + التحاليل + الأدوية غير المتوفرة. وقد تصبح هذه المعادلة كافية لتأجيل الموعد.
قصة لطيفة لا تبدأ من نقص الوعي، ولا تنتهي عند باب المستشفى. إنها تكشف مشكلة أكبر: ماذا يعني أن تكون الخدمة الصحية موجودة، لكنها ليست في متناول من تحتاجها؟
في الشمال الغربي التونسي، لا تعيش لطيفة وحدها هذه المعادلة. ففي باجة وجندوبة والكاف وسليانة، يعيش أكثر من 1.16 مليون شخص، في ولايات تمتد على مساحات واسعة وتضم تجمعات ريفية متباعدة. وهنا، حيث يعتمد جزء مهم من الاقتصاد المحلي على الفلاحة، تشكّل النساء قوة عاملة أساسية، لكنهن يعملن في ظروف تجعل كلفة الوصول إلى الخدمة الصحية أثقل من كلفتها المالية الظاهرة. فالأجر الفلاحي الأدنى المضمون بلغ 20.320 ديناراً في اليوم سنة 2025، بينما تشير معطيات مستقلة إلى أن أجور العاملات الفلاحيات الفعلية قد تنخفض إلى ما بين 10 و20 ديناراً يومياً.
توزع غير عادل للخدمات
وفي الجهة نفسها، لا تتوزع خدمات الصحة الإنجابية بالتساوي. تكشف «الخريطة الصحية تونس 2024» الصادرة عن وزارة الصحة أن 7 مراكز فقط من أصل 97 مركز صحة أساسية في باجة تقدّم استشارة صحة إنجابية أسبوعية كاملة، أي 7.2% من المراكز، وفي جندوبة تنخفض النسبة إلى 6.1%، مقابل 64% في تونس العاصمة. والفارق لا يظهر فقط في عدد المراكز، بل أيضاً في الكفاءات الطبية: فكثافة أطباء أمراض النساء لا تتجاوز 1.65 طبيباً لكل 10 آلاف امرأة في سن الإنجاب في جندوبة، و1.87 في سليانة، و2.35 في الكاف، و2.47 في باجة، مقابل معدل وطني يبلغ 3.30. وحتى القابلات لا يتوزعن بالطريقة نفسها: 8.02 لكل 10 آلاف امرأة في جندوبة مقابل 17.63 في الكاف.

تقول الأرقام شيئاً واضحاً: المرأة التي تعيش في منطقة ريفية لا تواجه عائقاً واحداً، بل سلسلة عوائق متتالية — وهنا تحديداً تبدأ قصة «ثمن الطريق». وهذا التحقيق لا يفترض أن المرأة الريفية محرومة من الصحة الإنجابية لمجرد أنها تعيش في الريف، بل تكشف البيانات مفارقة أكثر تعقيداً: وفق معطيات MICS 2023، بلغت نسبة الطلب المشبع بتنظيم الأسرة بالوسائل الحديثة 70.7% في الريف، مقابل 68% في الحضر. أي أن السؤال ليس ببساطة: هل تريد النساء الخدمة؟ السؤال هو: هل تستطيع المرأة الوصول إليها في الوقت المناسب، وبالكلفة التي تستطيع تحمّلها، وفي المكان الذي تتوفر فيه فعلاً؟
ومن هنا ينتقل التحقيق من سؤال «أين توجد الخدمة؟» إلى سؤال أكثر إلحاحاً: من تستطيع فعلاً الوصول إليها؟ فقد يكون المركز الصحي موجوداً على الخريطة، لكن الوصول إليه يحتاج إلى وسيلة نقل. وقد تكون وسيلة النقل متوفرة، لكن كلفتها تساوي أجر يوم كامل. وقد تصل المرأة إلى المركز، لكنها تجد أن الاستشارة لا تُقدَّم في ذلك اليوم. وقد تجد الطبيب، لكنها لا تجد الدواء. وقد تحصل على الموعد، لكنها تدفع ثمنه من أجر يومها. وفي كل مرة، يصبح الطريق أطول من المسافة المرسومة على الخريطة.
«ثمن الطريق» هو تحقيق بيانات وميدان في أربع ولايات من الشمال الغربي التونسي: باجة، جندوبة، الكاف وسليانة، يتتبع الكلفة الخفية التي تدفعها العاملات الفلاحيات للوصول إلى خدمات الصحة الجنسية والإنجابية. نعتمد فيه على بيانات وزارة الصحة، والمعهد الوطني للإحصاء، وتقارير دائرة المحاسبات، ومعطيات المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، إلى جانب شهادات نساء وقابلات وباحثين، لمحاولة الإجابة عن سؤال يبدو بسيطاً لكنه يكشف فجوة عميقة في العدالة الصحية: إذا كانت الخدمة الصحية مجانية أو مدعومة، فمن يدفع ثمن الطريق إليها؟ وهل تكفي الخدمة لأن تكون موجودة على الخريطة حتى تكون حقاً في متناول المرأة التي تحتاجها؟
جهة الشمال الغربي بالأرقام

قصة لطيفة ليست استثناءً. فحين تُجمع البيانات الرسمية والمستقلة عن الجهة كلها، تتكرر الصورة نفسها بأرقام مختلفة: في باجة، لا تتجاوز نسبة المراكز التي تقدّم استشارة صحة إنجابية أسبوعية كاملة 7.2% (7 من أصل 97 مركزاً)، وفي جندوبة النسبة أسوأ (6.1%)، مقابل 64% في تونس العاصمة. وكثافة أطباء أمراض النساء في الجهة كلها — من 1.65 في جندوبة إلى 2.47 في باجة — تقع دون المعدل الوطني البالغ 3.30، فيما تتفاوت كثافة القابلات بين 8.02 في جندوبة و17.63 في الكاف، أي أكثر من الضعف داخل الجهة الواحدة.
وعلى الأرض، يترجم هذا النقص إلى مشاهد يومية توضّحها شهادة علي السلايمي، مدير مجمع الحوامدية بطبرقة (جندوبة)، الذي أكد في لقاء معه أن المرأة التي تمرض في المناطق النائية التابعة للمجمع غالباً ما تُنقل على باب خشبي أو سرير من حطب حتى الطريق الرئيسي، حيث يُبحث لها بعد ذلك عن وسيلة نقل ريفي إن وُجدت.
وفوق هذه الفجوة الصحية، تقف فجوة اقتصادية: الأجر الفلاحي الأدنى المضمون رسمياً 20.320 ديناراً في اليوم (2025)، لكن الأجور الفعلية للعاملات تتراوح بين 10 و20 ديناراً، و12% منهن يتقاضين 15 ديناراً فقط. وبحسابات بسيطة، قد تلتهم كلفة رحلة صحية واحدة — نقلاً وفحصاً ووقتاً مفقوداً — ما بين 133% و233% من أجر يوم عمل كامل. أما الطريق نفسه، فليس مجرد استعارة: يوثّق المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية أكثر من 88 حادث نقل للعاملات الفلاحيات بين 2015 و2025، خلّفت 65 وفاة و983 جريحة، آخرها حادث دار السلام بالكاف في ماي 2025.
ومع ذلك، تمنعنا البيانات من رواية مبسّطة عن «ريف محروم» في مواجهة «مدينة متقدمة»: فوفق معطيات MICS 2023، بلغت نسبة الطلب المشبع بتنظيم الأسرة بالوسائل الحديثة 70.7% في الريف، مقابل 68% فقط في الحضر. القصة إذن ليست غياب الرغبة في الخدمة، بل فجوة في القدرة على الوصول إليها — وهذا ما يفصّله هذا التحقيق قسماً قسماً، بدءاً من المعادلة التي تفتح بها كل رحلة: الأجر مقابل الطريق.
المفارقة المركزية: حين يبتلع الطريق الأجر
الأجر الأدنى الفلاحي المضمون بلغ رسمياً 18.904 دينار/يوم اعتباراً من ماي 2024، ثم 20.320 دينار/يوم من جانفي 2025. لكن الأجور الفعلية المدفوعة للعاملات، وفق المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية (FTDES)، تتراوح بين 10 و20 ديناراً يومياً دون عقود أو تأمين اجتماعي في أغلب الحالات، بل إن 12% من العاملات يتقاضين 15 ديناراً فقط وفق مشروع «فينا كليمة» (2023).

هذه الفجوة بين الأجر واحتياجات المعيشة اليومية هي التي تجعل أي كلفة إضافية — نقل، فحص، دواء — قراراً اقتصادياً قبل أن يكون قراراً صحياً. وإذا كان الأجر هشاً، فإن السؤال التالي طبيعي: هل تتوفر على الأقل الكفاءات الطبية القريبة لتقليص هذه الكلفة؟ الإجابة، كما تكشفها الخريطة الصحية، لا.وهو مايؤكده الفلاح ابراهيم السلطاني من مجمع الخلنج بنفزة في تصريحه
خارطة النقص: أين تغيب الكفاءات الطبية؟
تكشف بيانات «الخريطة الصحية تونس 2024» الصادرة عن وزارة الصحة (إصدار سبتمبر 2025) فجوة جهوية واضحة في توفر الاختصاص الطبي المباشر المعني بالصحة الإنجابية.

المصدر: الخريطة الصحية تونس 2024، وزارة الصحة، جدول 85 (ص127)
باجة وجندوبة، رغم قربهما الجغرافي النسبي من تونس العاصمة مقارنة بالجنوب، تسجّلان كثافة قريبة من أضعف الولايات في تونس، وتنخفض الكثافة أكثر في جندوبة (1.65) وسليانة (1.87) — أي أن كامل جهة الشمال الغربي تقع دون المعدل الوطني (3.30) ودون ثلث كثافة تونس العاصمة (Tunis: 8.28). ولفهم لماذا تبقى هذه الكثافة منخفضة رغم وجود بنية صحية بالاسم، لا بد من النظر إلى الهيكل المؤسسي المسؤول عن الصحة الإنجابية تحديداً: الديوان الوطني للأسرة والعمران البشري.
للتحقق المباشر من هذه الأرقام، فيما يلي الجدولان الرسميان الأصليان من «الخريطة الصحية تونس 2024»:

وفي مايلي توزيع لأطباء الاختصاص في الشمال الغربي :

الكثافة الطبية التخصصية لكل 10 آلاف نسمة حسب الولاية
المصدر: الخريطة الصحية تونس 2024، ص127
أربعة مراكز إنجابية لجهة يقطنها 1.17 مليون شخص
الجهة الرسمية المكلّفة بتقديم خدمات الصحة الإنجابية ميدانياً هي الديوان الوطني للأسرة والعمران البشري (ONFP)، عبر شبكة من المراكز والفرق الطبية المتنقلة. الجدول التالي يفصّل ما تملكه كل ولاية من ولايات الجهة فعلياً من هذه الموارد، وفق بيانات الديوان لسنة 2024:

بمقارنة هذا الهيكل بعدد سكان الجهة (نحو 1.17 مليون نسمة)، فإن أربعة مراكز صحة إنجابية فقط — واحد لكل ولاية — وثماني فرق متنقلة مكلّفة بتغطية 58 مركز صحة أساسية موزعة على أربع ولايات جبلية وريفية واسعة المساحة. ولا مركز واحد للكشف الطوعي المجاني (CCDAG) يعمل فعلياً في أي من الولايات الأربع رغم وجوده اسمياً على الورق في بعضها سابقاً.
عندما تصل العاملة… ولا تجد الخدمة
تعمل عبير قابلةً في منطقة عمدون، حيث تلتقي يومياً بنساء يتقاطع عندهن الاحتياج الصحي مع واقعهن الاجتماعي والاقتصادي. من موقعها المهني، لا تختزل المشكلة في «بُعد المسافة» وحده؛ فهي ترى أن الوصول إلى الخدمة مرتبط بشبكة من الظروف اليومية: النقل، توقيت الخدمة، الالتزامات المهنية، والحاجة إلى العودة إلى المنزل أو الحقل في الوقت المناسب.
تقول عبير إن المرأة القادمة من منطقة ريفية لا تتحرك داخل نظام صحي فحسب، بل داخل حياة كاملة بكل تفاصيلها — فوصولها إلى الموعد يتوقف على قدرتها على مغادرة العمل، وعلى توفر وسيلة نقل، وعلى الوقت الذي يستغرقه الذهاب والعودة.
وكما تختصرها: المرأة لا تأتي إلى المركز وحدها؛ تأتي معها كلفة الطريق.
وتشير عبير إلى أن بعض النساء يواصلن العمل في الحقل رغم الحمل، لسببين مترابطين: أولاً بسبب جهلهن بخطورة ذلك وبضرورة المتابعة الطبية الدورية للحمل، وثانياً بسبب حاجتهن الماسة للعمل نتيجة ظروف معيشية قاسية لا تحتمل التوقف.
توضّح شهادة سنية، عاملة في القطاع الفلاحي، هذا الواقع من الداخل. فهي تعمل، بحسب وصفها، ليلاً ونهاراً من أجل إعالة أبنائها، وهي حامل. وتقول إن العلاج يحتاج ضماناً اجتماعياً، في حين أنها تبحث أصلاً عن قوت يومها، ولا تملك المال ولا الوقت لتقضيه في السعي وراء وثائق التغطية الاجتماعية.
شهادتها تكشف الوجه الآخر لمعادلة كلفة الطريق: حتى حين تكون الخدمة الصحية متاحة نظرياً، فإن الوصول إليها قد يظل مشروطاً بأوراق إدارية لا تملك العاملة الفلاحية ترف السعي خلفها.
والأخطر من غياب المسافة القصيرة هو تواتر تقديم الخدمة داخل المراكز الصحية القائمة فعلياً. توثّق «الخريطة الصحية 2024» عدد مراكز الصحة الأساسية (CSSB) حسب وتيرة تقديم استشارة الصحة الإنجابية، من الأسبوعية الكاملة (6/6) إلى النادرة جداً (1/12، 1/24) أو المنعدمة (0).
نسبة مراكز الصحة الأساسية التي تقدّم استشارة صحة إنجابية أسبوعياً كاملة، 2024المصدر: الخريطة الصحية تونس 2024، وزارة الصحة، جدول 9 (ص32) — المصدر الأصلي: DSSB، 31-12-2024


توزّع مراكز الصحة الأساسية حسب وتيرة استشارة الصحة الإنجابية (الجدول الرسمي الأصلي)
المصدر: الخريطة الصحية تونس 2024، ص32
الجهة بأكملها — جندوبة، باجة، الكاف، سليانة — تقع دون المعدل الوطني في تقديم الخدمة الأسبوعية الكاملة، وجندوبة تحديداً هي الأسوأ وطنياً بين الولايات الأربع رغم كونها الأكثر سكاناً في الجهة. ونقص الأطباء والتواتر ليسا وحدهما في الميزان؛ فالموارد البشرية الأخرى، وعلى رأسها القابلات، تحمل نفس التفاوت.
القابلات أيضاً لا يتوزّعن بالتساوي
لا تتعلق المسألة بالنقل والتواتر فقط، بل بتوفر الموارد البشرية نفسها. تكشف «الخريطة الصحية 2024» تفاوتاً حاداً في كثافة القابلات (Sages-femmes) بين ولايات الجهة الأربع.

الشكل 3: كثافة القابلات لكل 10 آلاف امرأة في سن الإنجاب (15-49 سنة)، 2024
المصدر: الخريطة الصحية تونس 2024، جدول 91 (ص141)

الفارق بين جندوبة والكاف يتجاوز الضعف. وهذا لا يعني أن كثافة القابلات وحدها تحدد مستوى الوصول إلى الصحة الإنجابية، لكنه يضيف طبقة أخرى إلى القصة: حتى عندما تكون المسافة نفسها قابلة للقطع، فإن الموارد البشرية المتوفرة لتقديم الخدمة ليست موزعة بالقدر نفسه. وإذا كانت الخدمة نفسها متفاوتة، فإن السؤال العملي يبقى: كم يكلّف فعلياً الوصول إليها؟
كلفة الطريق: كم تدفع العاملة فعلياً؟
لا يمكن فصل عائق «التواتر» عن عائق «الكلفة». الرسمان التاليان يقدّمان تقديراً لكلفة التنقل ذهاباً وإياباً بحسب وسيلة النقل، والمسافة الفعلية من عدد من المعتمديات الريفية إلى أقرب مستشفى جهوي يقدّم خدمات الولادة وطب الاختصاص في كل ولاية.
تنويه منهجي: الأسعار في الرسمين تقديرية (بتاريخ ماي 2024) ومبنية على المسافات الفعلية وتعريفة النقل غير المنتظم الرسمية الصادرة عن وزارة النقل، لكنها لم تُقارن رقماً برقم مع نص القرارات الوزارية الكاملة لكل خط على حدة — وتحتاج تأكيداً ميدانياً إضافياً قبل الاعتماد عليها كأرقام نهائية في النص المنشور.
الرسم 1: خيارات التنقل من منطقة ريفية إلى أقرب مركز صحي وكلفتها التقريبية (ذهاب وإياب)

ولايختلف الأمر كثيرا إذا مااحتسبنا الكلفة بصفة عامة كما يبينه الرسم البياني التالي

الرسم 2: كلفة التنقل إلى خدمات الولادة وطب الاختصاص من معتمديات ريفية مختارة في الجهة
المصدر: مسافات محسوبة عبر Google Maps (ماي 2024)؛ تعريفات تقديرية استناداً لقرارات وزارة النقل الرسمية (2024) ودليل الهياكل الصحية العمومية لوزارة الصحة (2024).
خلف هذه الأرقام المجرّدة، هناك نساء بعينهن اختبرن هذه المعادلة على أرض الواقع. سلوى واحدة منهن.
ثمن التأجيل
شعرت سلوى، البالغة من العمر أربعاً وثلاثين سنة، بألم في ثديها، لكنها لم تتوجه إلى الطبيب. لم يكن تجاهلها للأعراض بسبب عدم إدراكها لخطورتها، وإنما بسبب كلفة الوصول إلى الرعاية الصحية.
تقول:
«لم أعر الأمر اهتماماً. فمن سيطعم أبنائي إن لم أعمل يوماً؟ وحتى لو ذهبت إلى الطبيب، سيكلّفني ذلك أجرة يوم عمل في الأرض، وربما أكثر.»
بالنسبة إلى سلوى، لم تكن زيارة المستوصف مجرد فحص طبي. كانت تعني التخلي عن يوم عمل، وتحمل كلفة التنقل، مع احتمال إحالتها إلى مستشفى باجة لاستكمال الفحوصات، وما يترتب عن ذلك من مصاريف ووقت إضافي. لذلك اختارت تأجيل الفحص، رغم استمرار الألم.
بعد نحو عامين، اكتشفت سلوى إصابتها بسرطان الثدي بمحض الصدفة. كانت في نفزة لزيارة أختها عندما صادف وجودها قافلة صحية انتظمت في إطار حملة أكتوبر الوردي. خضعت للفحص لدى قابلة وطبيبة، قبل أن تُحال لاستكمال الفحوصات التي أكدت إصابتها بالمرض.
تقول سلوى إن القافلة وفرت لها فرصة للوصول إلى فحص لم تكن قد قررت إجراءه بمبادرة منها:
«ساعدوني جميعاً، وأنا اليوم أتلقى العلاج ومصرّة على الحياة، رغم كل التعب.»
تكشف قصتها أن العائق أمام التشخيص لم يكن غياب الخدمة الصحية فحسب، بل أيضاً كلفة الوصول إليها. فكل زيارة للطبيب قد تعني بالنسبة إلى امرأة تعمل باليومية خسارة دخل يوم كامل، إلى جانب مصاريف التنقل والفحوصات. وفي حالة سلوى، أدى تأجيل الفحص إلى تأخر اكتشاف سرطان الثدي.
اليوم، تواصل سلوى علاجها بالتوازي مع تحمل مسؤولية إعالة أطفالها، بعد أن هجرها زوجها. وبين العلاج والعمل، لا تزال كلفة الوصول إلى الرعاية الصحية جزءاً من المعركة اليومية التي تخوضها مع المرض. ومن موقع مهني مختلف، تصف قابلة تعمل في جهة الكاف النمط نفسه الذي عاشته سلوى، لكن من زاوية من تستقبل النساء لا من تعيش تجربتهن مباشرة.
الفحص المؤجَّل
تقول امال قابلة تعمل في جهة الكاف إن العاملات في القطاع الفلاحي يواجهن صعوبات متكررة في الوصول إلى خدمات الصحة الجنسية والإنجابية، رغم توفر جزء من هذه الخدمات داخل المؤسسات الصحية. وتوضح أن المشكلة لا ترتبط دائماً بغياب الخدمة، وإنما بالقدرة على الوصول إليها في الوقت المناسب، خصوصاً بالنسبة إلى النساء اللواتي يعملن لساعات طويلة وفي مناطق ريفية متباعدة.
وتشير إلى أن ظروف العمل تجعل بعض العاملات يؤجلن الفحوصات والمتابعة الصحية إلى أن تصبح الضرورة ملحّة، لأن التوجه إلى المركز الصحي يعني بالنسبة إليهن التغيب عن العمل أو البحث عن وسيلة نقل ودفع كلفتها. كما أن عدم انتظام وسائل النقل في بعض المناطق يمثل عائقاً إضافياً، خاصة عندما يتعلق الأمر بمواعيد متكررة، مثل متابعة الحمل، تنظيم الأسرة أو الفحوصات النسائية.
وتضيف القابلة أن هذا التأخير ينعكس على نوعية الرعاية التي تحصل عليها النساء، إذ تصل بعضهن إلى الخدمات بعد فترة طويلة من ظهور الحاجة إليها، بدل أن تكون المتابعة الصحية وقائية ومنتظمة. وترى أن النساء العاملات في الفلاحة يحتجن إلى خدمات أكثر قرباً من أماكن سكنهن وعملهن، وإلى آليات تضمن استمرارية المتابعة، لا إلى تدخلات ظرفية تقتصر على القوافل الصحية والمناسبات. هذا التشخيص الميداني يلتقي مع قراءة أكاديمية أوسع تقدّمها الباحثة في الاقتصاد الريفي هدى مزهود.
لماذا الكلفة أشد على العاملات الفلاحيات؟
توضح هدى مزهود، الباحثة في الاقتصاد الريفي، أن كلفة وصول عاملات الفلاحة إلى الخدمات الصحية لا تختزل في سعر التنقل فقط، بل تشمل الوقت الذي تخسره العاملة، وكلفة النقل المتكررة، وأحياناً كلفة مرافقة أحد أفراد الأسرة، فضلاً عن خسارة يوم عمل كامل عندما تكون الخدمة الصحية بعيدة عن مكان إقامتها أو عملها. وترى أن هذه الكلفة غير المباشرة قد تتحول إلى عائق فعلي أمام حصول النساء على الرعاية، خصوصاً بالنسبة إلى العاملات اللاتي تعشن أصلاً في ظروف اقتصادية هشة ودخل غير مستقر.
وتؤكد مزهود أن التعامل مع هذه المسألة يتطلب تجاوز المقاربة التي تنظر إلى الوصول إلى الصحة باعتباره مجرد وجود خدمة صحية على الورق، والبحث في مدى قدرة النساء فعلياً على الوصول إليها والاستفادة منها. فوجود مركز صحي لا يعني بالضرورة أن الخدمة متاحة للعاملة إذا كانت مضطرة إلى قطع مسافة طويلة، أو دفع أجرة نقل لا تتناسب مع دخلها، أو التغيب عن العمل للحصول على موعد أو فحص.
وتشدد الباحثة على أهمية أن يستند التخطيط للخدمات الصحية إلى البحث العلمي، ليس فقط من الجانب الطبي، وإنما أيضاً من الجانب الاجتماعي والاقتصادي، لفهم العوامل التي تمنع النساء من الانتفاع بالخدمات الموجودة. وتعتبر أن الحل لا يكمن في تنظيم تدخلات أو قوافل صحية مناسباتية، بل في العودة إلى مبدأ تقريب الخدمات بشكل مستدام من النساء، بما في ذلك تطوير آليات تمكنهن من الحصول على الخدمات والمعلومات الصحية بالقرب من أماكن إقامتهن وعملهن، بدل انتظار أن تتحمل النساء وحدهن كلفة الوصول إلى الخدمة. وحين تتحدث مزهود عن «هشاشة العمل» كجذر للمشكلة، تستند إلى بيانات ميدانية حديثة توثّق حجم هذه الهشاشة رقمياً.
خلف كل رحلة، عاملة بلا حماية
وفق دراسة ميدانية أجراها تحالف بحثي يضم مركز CIRAD الفرنسي ضمن مشروع «Tamkin Femmes Rurales» (نُشرت جويلية 2026، استناداً لمسح ميداني أُجري سنة 2024 وورشة عمل في ولاية باجة تحديداً)، تبرز الأرقام التالية حول هشاشة العمل الفلاحي النسائي:

المصدر: CIRAD (يوليو 2026)، مشروع Tamkin Femmes Rurales (APEDDUB, INRAT, INAT, CIRAD)، cirad.fr.
تنويه منهجي مهم: المسح الميداني الذي استند إليه CIRAD أُجري تحديداً في ولاية باجة (ورشة 2026)، ونص المقال لا يوضح بشكل قاطع إن كان رقم الـ91 ألف يمثل باجة وحدها أم يُقصد به تقديراً وطنياً أوسع. هذا الرقم يختلف بشكل كبير عن تقدير آخر من FTDES يشير إلى أكثر من 500 ألف عاملة فلاحية على المستوى الوطني .أمام هذا المشهد المزدوج — بنية صحية شحيحة، وعمل فلاحي هش — تبرز في الجهة تجربة مختلفة عن انتظار المرأة لتصل إلى الخدمة: تجربة القوافل الصحية المتنقلة، حيث تنعكس المعادلة وتتحرك الخدمة نفسها نحو النساء.
قوافل الكشف المبكر: حين تتحرك الخدمة نحو النساء
منذ انطلاق برنامج «مامو لايف» في جانفي 2024 من محطته الأولى بملولة وطبرقة في جندوبة، تنقّلت القوافل الطبية المتنقلة للكشف المبكر عن سرطاني الثدي وعنق الرحم عبر ولايات متفرقة من الشمال إلى الجنوب، لتصل لاحقاً إلى برنامج موازٍ يحمل اسم «مامو حياة» بداية من أفريل 2026. يرصد الجدول التالي، بالاعتماد على تغطيات صحفية ورسمية موثّقة، 20 محطة نُظمت بين جانفي 2024 وجوان 2026، بأرقام قوافل رسمية وصلت إلى القافلة الثالثة عشرة كأعلى رقم موثّق في المصادر المتاحة.
لكن الجدول يكشف أيضاً فجوة في التوثيق: 7 محطات من أصل 20 — من بينها المحطات الثلاث الأولى للبرنامج، ومحطتا تطاوين في أفريل 2025، ومحطات 2026 الثلاث كافة — لم يُذكر لها رقم قافلة رسمي في المصادر المتوفرة، رغم توثيق تاريخها ومكانها ونتائجها الميدانية. هذا التفاوت بين الرقم المرقّم (13) وعدد المحطات الفعلي (20) يطرح سؤالاً مشروعاً حول مدى انتظام التوثيق الرسمي لهذه القوافل، وما إذا كانت بعض المحطات غير المرقّمة تنتمي لسلسلة ترقيم منفصلة (خصوصاً بعد إطلاق «مامو حياة») أو أنها ببساطة لم تُدرَج في القوائم الرسمية المتاحة للجمهور.

المصدر: بيانات ميدانية مجمّعة من تغطيات صحفية ورسمية لبرنامجي «مامو لايف» و«مامو حياة» (2024-2026).
رغم فجوة الترقيم، يبقى هذا النموذج مؤشراً مهماً على إمكانية عملية بديلة: بدل انتظار المرأة الريفية لتتحمل كلفة الوصول إلى مركز ثابت بعيد، تتحرك الخدمة نفسها نحوها. وهو نموذج يستحق تقييماً مقارناً مع واقع مراكز الصحة الإنجابية الثابتة الموثّق في الأقسام السابقة من هذا التحقيق. ومن داخل إحدى هذه القوافل، في معتمدية الروحية بسليانة، تروي قابلة كانت حاضرة كيف تبدو المشكلة من موقعها.
الصعوبة لا تبدأ داخل المؤسسة الصحية
خلال قافلة صحية نظمها الديوان الوطني للأسرة والعمران البشري بمعتمدية الروحية من ولاية سليانة، تحدثت كريمة العربي، القابلة بالمستشفى الجهوي بسليانة، عن الصعوبات التي تواجهها عاملات الفلاحة في الوصول إلى خدمات الصحة الجنسية والإنجابية.
وتقول العربي إن الصعوبة لا تبدأ داخل المؤسسة الصحية، وإنما قبل الوصول إليها، إذ إن التوجه إلى المستشفى بالنسبة إلى العاملة الفلاحية يعني في كثير من الأحيان مغادرة مكان العمل، وتأمين وسيلة نقل وتحمل كلفتها، وهو ما قد يدفع بعض النساء إلى تأجيل الفحوصات أو عدم استكمال المتابعة الصحية في مواعيدها.
وتوضح أن خدمات الصحة الجنسية والإنجابية تتطلب في حالات عديدة متابعة منتظمة، وليس مجرد زيارة واحدة، وهو ما يجعل عامل الوقت والتنقل عاملين حاسمين في قدرة النساء على الاستفادة منها. وتلاحظ أن بعض النساء يجدن صعوبة في الالتزام بالمواعيد المتكررة عندما تتطلب كل زيارة التنقل لمسافة بعيدة أو التغيب عن العمل.
وترى العربي أن القوافل الصحية تمثل فرصة مهمة للوصول إلى النساء اللواتي تحول ظروفهن دون التوجه بانتظام إلى المؤسسات الصحية، لكنها لا يمكن أن تكون بديلاً عن خدمات قريبة ومتاحة بصورة مستمرة. وتؤكد أن التحدي يتمثل في ضمان استمرارية الرعاية وتقريب الخدمات من النساء في مناطقهن، حتى لا يبقى الحصول على الرعاية الصحية مرتبطاً بقدرة العاملة على تحمل كلفة التنقل أو خسارة يوم عمل. ومن موقعها في إدارة البرنامج على المستوى الوطني، تقدّم منسقة «مامو لايف» بالديوان قراءة مكمّلة لهذه الملاحظة الميدانية.
الحاجة إلى الخدمة لا تعني القدرة على الوصول إليها
خلال إحدى القوافل الصحية التي نظمها الديوان الوطني للأسرة والعمران البشري في العاصمة، تحدثت سماح الغزي، منسقة مشروع «مامو لايف» بالديوان، عن أهمية تقريب خدمات الصحة الجنسية والإنجابية من النساء، خاصة النساء اللواتي تحول ظروفهن الاجتماعية والمهنية دون الانتفاع المنتظم بالخدمات الصحية.
وتوضح الغزي أن القوافل تمثل آلية للوصول إلى النساء في أماكن وجودهن، لا سيما الفئات التي قد لا تتمكن من التوجه إلى المؤسسات الصحية بانتظام. وتقول إن التجربة الميدانية تكشف أن الحاجة إلى الخدمة لا تعني بالضرورة القدرة على الوصول إليها، إذ يمكن أن تتداخل عوامل مثل كلفة التنقل، وضيق الوقت، والالتزامات المهنية والعائلية في قرار المرأة بشأن طلب الرعاية الصحية.
وتشير محدثتنا إلى أن القافلة لا تقتصر على تقديم الفحوصات والخدمات الطبية، وإنما تتيح أيضاً التواصل المباشر مع النساء، والاستماع إلى احتياجاتهن، والتعرف إلى الصعوبات التي تحول دون استفادتهن من الخدمات المتاحة. ومن هذا المنطلق، تعتبر أن العمل الميداني يمكن أن يساعد على فهم الفجوة بين الخدمات الموجودة فعلياً وبين قدرة النساء على الوصول إليها.
وتؤكد الغزي أن القوافل تظل تدخلات محددة في الزمن، بينما يتطلب ضمان الحق في الصحة حلولاً مستدامة تقوم على تقريب الخدمات من النساء وتوفير المتابعة المنتظمة، إلى جانب تطوير البرامج بناءً على المعطيات التي يكشفها العمل الميداني واحتياجات النساء الفعلية. وتقاطع هذا الرأي — أن الحل الحقيقي يتجاوز التدخلات الموسمية — مع سياق أوسع وأخطر يهدد سلامة النساء في طريقهن أصلاً نحو أي خدمة: خطورة وسيلة النقل نفسها.مبينة ان العمل يجب ان يكون جماعيا ومشتركا بين القطاع العام والخاص والمجتمع المدني
وهو ماتؤكده سنية الطرخاني ممثلة الجمعية التونسية للأمراض المنقولة جنسيا والتي التقيناها خلال قافلة صحية للكشف عن العدوى المنقولة جنسيا والسرطانات الانثوية
«شاحنات الموت»: حين يتحول الطريق نفسه إلى خطر
لا يمكن فصل عائق كلفة التنقل عن عائق آخر أخطر: خطورة وسيلة التنقل نفسها. ولا يقتصر خطر الطريق على رحلة العمل؛ فنفس شبكة النقل غير المهيكلة التي تنقل العاملات يومياً إلى الحقول هي غالباً نفس الشبكة التي يعتمدن عليها للوصول إلى المركز الصحي. توثّق بيانات المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية (FTDES) سلسلة من الحوادث المميتة لشاحنات نقل العاملات الفلاحيات.

المصادر: Inkyfada (4 جوان 2025)، FTDES (تقرير ماي 2025، نقلاً عن Mosaïque FM).
إجمالاً، رصد FTDES أكثر من 88 حادثاً بين 2015 و2025، خلّفت 65 وفاة و983 جريحة، تتصدرها سيدي بوزيد (~30%) ثم القيروان (~20%)، مع تسجيل أن 60% من الحوادث وقعت بعد صدور القانون 51 لسنة 2019. وحادث الكاف الأخير وقع بعد أشهر قليلة فقط من صدور نص قانوني جديد كان يُفترض أن يعالج هذا الخطر تحديداً.
الإطار القانوني: نصوص موجودة، تطبيق غائب
صدر المرسوم عدد 4 لسنة 2024 (22 أكتوبر 2024) لإحداث صندوق الحماية الاجتماعية للعاملات الفلاحيات وضمان نقل آمن لهن، في 52 فصلاً. لكن FTDES يؤكد أن المرسوم غير مفعّل بسبب غياب النصوص التطبيقية التسعة والقرارات الوزارية الأربعة والاتفاقيات الثلاث بين الوزارات المعنية، ولم يصدر أي منها حتى تاريخ حادث الكاف في ماي 2025. كما أن المرسوم لا يُطبّق بأثر رجعي، ما يحرم عائلات ضحايا الكاف من التعويض المنصوص عليه.
وهذا الفراغ في التطبيق ليس استثناءً معزولاً؛ فقد رصدت دائرة المحاسبات، في تقريرها السنوي (Rapport 76)، خللاً مشابهاً في أداء الديوان الوطني للأسرة والعمران البشري نفسه، إذ خصّصت فصلاً كاملاً لتقييمه وخلصت إلى:
«عدم توجيه الخدمات المسداة إلى المناطق غير الحضرية والجهات التي كان المؤشر الإجمالي للخصوبة لديها مرتفعاً.»
وأضاف التقرير أن الخدمات التثقيفية في الصحة الإنجابية لم تتجاوز 16% في المناطق غير الحضرية، وأن مندوبية باجة تحديداً شهدت توقفاً لخدمات التثقيف الجماعي.

المصدر: دائرة المحاسبات التونسية، التقرير السنوي عدد 76، courdescomptes.nat.tn
نصوص قانونية غير مفعّلة، وتقييم رسمي يوثّق تحيّزاً جغرافياً في توزيع الخدمات: الصورة التي ترسمها المؤسستان الرقابيتان تتقاطع تماماً مع ما روته لطيفة وسلوى والقابلات في هذا التحقيق. وهنا تكتمل الصورة.
من يدفع ثمن الطريق؟
المعادلة في الشمال الغربي مزدوجة: كلفة نقل تلتهم جزءاً من أجر يومي هش أصلاً، ووجهة قد لا تقدّم الخدمة المطلوبة أصلاً حين تصل إليها العاملة. البيانات الرسمية (وزارة الصحة، دائرة المحاسبات) والمستقلة (المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية) تتقاطع كلها عند نتيجة واحدة: تركّز الخدمات والكفاءات الطبية في تونس الكبرى والساحل، ونقص كبير في مناطق الداخلية والريفية — وجندوبة وباجة والكاف وسليانة نموذج صارخ لذلك.
في النهاية، تعود القصة إلى السؤال الذي فتحنا به هذا التحقيق: إذا كانت الخدمة الصحية مجانية أو مدعومة على الورق، فمن يدفع ثمن الطريق إليها؟ لطيفة دفعته من أجر يومها. سلوى دفعته بعامين من التأخير في التشخيص. وكل امرأة أخرى في قرى الشمال الغربي، لم تصل بعد إلى صفحات هذا التحقيق، لا تزال تدفعه اليوم، في صمت، على طريق لا يظهر على أي خريطة رسمية.
