الفالوسنترية الرقمية في تونس: النساء يدفعن ثمن التحول الرقمي وحوكمة البيانات
نجوى الهمامي | تحقيق بيانات واستقصاء رقمي — إذاعة السيدة
في زاوية جانبية من مقهى «تحت السور» بباب سويقة في العاصمة تونس، جلست الصحفية سيماء المزوغي أمام حاسوبها المحمول تعمل على تحقيق حول العنف الرقمي. المكان مأهول برجال اعتادوا الجلوس فيه، تتعالى فيه الضحكات والنقاشات السياسية وسط دخان السجائر. لم يكن جلوس امرأة هنا حدثًا استثنائيًا في الظاهر؛ فلا لافتة تحظره، ولا أحد طلب منها المغادرة، ومع ذلك كانت تدرك أنها تكتب في فضاء لم يُصمَّم لها أصلًا. رفعت هاتفها، التقطت صورة لنفسها أمام فنجان القهوة، وكتبت على فيسبوك: «نكتب اليوم عن الفضاء العام… من قلبه».
لم تمضِ عشر دقائق حتى بدأت الإشعارات تتوالى: «كان مشيت عرست ولميت روحك أحسن»، و«شنو تعمل وحدك في قهوة رجال؟»، و«هاو التحرر متاعكم». لم يناقش أحد مضمون التحقيق، بل انتقل الخطاب مباشرة إلى جسدها وحياتها الخاصة ومكان وجودها، ليعيد رسم الحدود التي يُفترض أن تتحرك داخلها المرأة.
[تسجيل صوتي: سيماء المزوغي — صحفية، حول تجربتها مع التعليقات الرقمية]
تؤكد سيماء المزوغي من واقع تجربتها الميدانية كيف يتشكل العنف الرقمي كامتداد هيجلي للرقابة الاجتماعية على النساء؛ إذ تجد المرأة نفسها مطالبة باستمرار بتبرير حضورها بمجرد دخولها فضاءً عامًا يُصنّف تقليديًا كمجال ذكوري، حتى وإن كان مكانًا مفتوحًا ومباحًا للجميع قانونًا. ففي مساحة المقهى المادي تتجاور وتتضافر ثلاثة مستويات صريحة من السلطة: سلطة اجتماعية قديمة تُحدد للمرأة أبعاد مكانها المقبول، وسلطة جماعية حارسة تُراقب سلوكها وحركتها، وسلطة رقمية خوارزمية تعمد إلى إعادة إنتاج هذا الحكم القمعي، وتوسيعه، وتسريع نطاق انتشاره بشكل كاسح. بيد أن هذا التقاطع يطرح سؤال المساءلة الجوهري الذي يقود التحقيق: هل الخوارزمية بذاتها تضمر انحيازًا مُسبقًا ضد النساء، أم أن المنظومة التقنية بتصميم منصاتها، وآليات حوكمة بياناتها، وهندسة قواعدها لا تكتفي بتبني المركزية الذكورية السائدة في المجتمع، بل تُضيف إليها طبقة جديدة ومستحدثة من الانحياز البنيوي؟ وهو المفهوم المركّب الذي نؤطره في هذا العمل تحت مسمى «الفالوسنترية الرقمية».
تفكيك المفهوم: الفالوسنترية من المنظومة الاجتماعية إلى المعيار التقني
تُعَرَّف الفالوسنترية، أو المركزية الذكورية، باعتبارها بنية تصورية تُقيم الذكورة كمركز ثقل مطلق للسلطة والمعرفة والشرعية، بينما تُقصي حضور النساء وتدفعهن نحو الهامش التهميشي. ولا يقتصر هذا المفهوم على مجرد السيطرة المباشرة للرجال، بل يتعداه إلى الآليات البنيوية التي تُصاغ بها اللغة، وتُبنى من خلالها الثقافة والمؤسسات، لتحديد المعايير التي تجعل صوتًا بعينه أمرًا طبيعيًا ومقبولًا بذاته، بينما تُطالِب الأصوات الأخرى بتبرير شرعية وجودها. وفي هذا السياق، تُبيّن الباحثة في الاتصال والجندر مريم أولاد الشايب أن الفالوسنترية تتشابك بصورة وثيقة مع منظومة النوع الاجتماعي التي تمنح الموقع الهيمني للذكور، مجسدةً الذكورة كمعيار مرجعي حاكم للسلطة ولإضفاء المشروعية في الفضاءين المادي والافتراضي.
[تصريح: مريم اولاد الشايب — حول مفهوم الفالوسنترية والعنف القائم على النوع الاجتماعي]
الفالوسنترية الرقمية وانحياز اللغة: عندما تعجز الخوارزميات عن قراءة الدارجة
في البيئة الرقمية، لا تتوارى المنظومة الذكورية الكلاسيكية عن الأنظار، بل تنتقل إلى فضاء جديد تحكمه المنصات، والخوارزميات، وحوكمة البيانات؛ ومن هنا يستمد التحقيق مفهوم «الفالوسنترية الرقمية» لوصف الآلية التي تُعيد بها المنظومات التقنية إنتاج تراتبيات القوة الجندرية في المجتمع، وذلك عبر التحكم في ما يظهر وما يختفي، وما يمتلك قدرة الانتشار الكاسح مقابل ما يظل خافت الوصول، فضلاً عما تصنفه المنصة كانتهاك أو تفشل في التعرف عليه، ومن يمتلك أدوات مواجهة الأذى الافتراضي ومن يُترك أعزل أمامه. فالمشكلة البنيوية ليست في افتراض أن «الخوارزمية ذات جنس ذكوري»، بل في كونها لا تعمل داخل فراغ محايد؛ إذ تُدرَّب على بيانات بشرية تتضمن تحيزات سابقة، وتُبنى وفق خيارات تجارية، وتتعامل مع لغات وسياقات هشة التمثيل.

وتتجلى اللغة في هذا المفهوم كواحدة من أبرز ثغرات النظام الإشرافي؛ إذ لا يتواصل التونسيون والتونسيات عبر الشابكة باللغة العربية الفصحى وحدها، بل تعتمد غالبية التواصل اليومي على الدارجة التونسية الغنية بالتعبير الصوري، والسياقات الساخرة، والتلميحات الضمنية التي يفقد معناه الحقيقي عند الترجمة الحرفية. وهو ما يطرح سؤالاً تقنيًا وسياسيًا حرجًا حول قدرة خوارزمية صُمّمت استنادًا إلى قواعد بيانات ضخمة باللغات ذات الموارد العالية على استيعاب لهجة محلية محدودة الموارد، حيث تؤكد خبيرة سياسات الذكاء الاصطناعي مها الجويني في هذا السياق وجود تحيز لغوي واضح وهيكلي في المنصات وأنظمة الذكاء الاصطناعي يُعطي الأولوية للمحتوى الناطق بالإنجليزية ولغات الشمال المعولم مقابل تهميش لغات الجنوب العالمي ولهجاتها، مشيرةً إلى أن هذا العجز البنيوي في معالجة اللغة الطبيعية وشح قواعد البيانات المحلية يفرغان عمليات الإشراف الآلي على المحتوى من فاعليتها، مما يفتح ثغرة واسعة لانتشار خطاب الكراهية والعنف الموجه ضد النساء.
[تسجيل صوتي: مها الجويني 01 — التحيز اللغوي، نقص البيانات وتمثيل لغات الجنوب العالمي]
وتفتح هذه المداخلة بابا اوسع: المشكلة لا تتعلق فقط بما اذا كانت الخوارزمية قادرة على فهم كلمة تونسية، بل بمن يملك القدرة على تحديد ما يجب ان تفهمه الخوارزمية اصلا.فالبيانات التي تستخدم لتدريب النماذج، واللغات التي تحظى بمجموعات بيانات ضخمة، والموارد التي تخصص لمراجعة المحتوى، كلها تعكس تفاوتا عالميا في القوة الرقمية.وهذا ما تشير اليه الجويني عند حديثها عن الاستعمار الرقمي: تقنيات تصمم في مراكز قوة عالمية، ثم تستخدم في مجتمعات ولغات وسياقات اجتماعية مختلفة، من دون ان تكون هذه المجتمعات ممثلة بالقدر الكافي في مرحلة التصميم والتدريب والحوكمة.
من عجز التقطيع اللغوي إلى الاستعمار الرقمي: اتساع فجوة الحماية الافتراضية
تنتقل مشكلة التمييز الجندري الرقمي من مستوى اللغة إلى العمق التقني؛ إذ يشرح شحاتة السيد، الرئيس التنفيذي لشركة الذكاء الاصطناعي “او اس اتش”، أن جزءًا أساسيًا من الإشكال يعود إلى آلية التقطيع اللغوي (Tokenization)، وهي العملية التي تُفكّك عبرها النماذج اللغوية الكبرى النصوص إلى وحدات معالجة. ويوضح السيد أن طريقة تقسيم الكلمات تختلف بحسب طبيعة بيانات التدريب وحجمها، وهو ما يفرز نقصًا فادحًا في تمثيل اللهجات المغاربية كالدارجة التونسية مقارنة باللغات ذات البيانات المليارية كالإنجليزية والعربية الفصحى، محذرًا من أن المسألة لا تتوقف عند وجود كلمة تونسية منفردة في المعجم الآلي، بل ترتبط بمدى قدرة النموذج الإحصائية على تمثيلها وقراءة سياقها التركيبي والساخر، مما يعطل قدرة النظام على منح محتوى العنف الجندري درجة خطورة عالية لحذفه فوريًا.
ولتحول هذا العجز التقني إلى أزمة اجتماعية وميدانية، تكشف المعطيات المسحية الصادرة عن صندوق الأمم المتحدة للسكان في تونس أن ستين بالمائة من النساء المستجوبات تعرضن لشكل من أشكال العنف الرقمي أو الميسَّر بالتكنولوجيا، حيث تؤكد مريم أولاد الشايب، محللة الاتصال والبرامج بالصندوق، أن هذا العنف لم يعد يقتصر على المنصات العامة، بل يلاحق النساء عبر الرسائل المباشرة والمكالمات اليومية، متخذًا صورًا متصاعدة من التحرش والتشهير وصولًا إلى التزييف العميق عبر الذكاء الاصطناعي، وهو ما يضع ست نساء من كل عشر في تونس أمام تهديد مستمر يتغذى على خوارزميات قياس التفاعل التي تعطي الأولوية لانتشار المحتوى المثير للغضب والاستفزاز على حساب السلامة الرقمية للنساء وحقهن في التواجد الحر.
وهنا تضع خبيرة سياسات الذكاء الاصطناعي مها الجويني هذه الأزمة في أفق تحليلي أكثر شمولاً بتأطيرها ضمن مفهوم «الاستعمار الرقمي»؛ إذ إن المنصات الكبرى لا تنبت في السياق التونسي، بل تُبنى نماذجها وتُجمَع بياناتها داخل مراكز قوة عالمية في الشمال المعولم لتُفرَض لاحقًا على مجتمعات ذات خصوصيات لغوية وثقافية متباينة، مما يجعل شعار «التصميم المتمركز حول الإنسان» قاصرًا وحبرًا على ورق ما لم يستوعب التنوع اللغوي.
ويتداخل مفهوم الفالوسنترية الرقمية مع الاستعمار الرقمي عند سؤال السلطة المركزية: من يمتلك حق صياغة القواعد والضوابط؟ ومن يُعرّف الخطورة والمعايير؟ ومن يتصرّف في البيانات ويقرر ما يلزم الخوارزمية فهمه أو تجاهله؟ ومن يتحمّل التبعة الأخلاقية والإنسانية حين تفشل الآلة في التقدير؟ وهي أسئلة تظل إجاباتها في الراهن التونسي بعيدة عن متناول النساء والضحايا المتروكات لمواجهة الانتهاكات، رغم أنهن المعنيّات بالدرجة الأولى بدفع الفاتورة النفسية والاجتماعية من سلامتهن وحضورهن في الفضاء العام.
العربية والفصحى والدارجة: عندما يعجز الذكاء الاصطناعي عن قراءة السياق
إن معضلة التمييز الرقمي لا تبدأ من الدارجة التونسية وحدها، بل تمتد أصولها إلى المنظومة التي تتعامل بها المنصات الرقمية مع اللغة العربية نفسها؛ إذ إن العربية الفصحى لا تحصل على المعاملة ولا على قدر الموارد المعجمية المخصصة للغات عالية التمثيل. وقد كشفت دراسة صادرة عن مركز «كار» لحقوق الإنسان بجامعة هارفارد، أعدتها الباحثة منى السواح، أن أنظمة الإشراف الآلي على المحتوى العربي في منصة «فيسبوك» تعاني من عدم اتساق بنيوي حاد؛ حيث يُحذف محتوى مشروع ومباح بإفراط نتيجة قراءات خوارزمية خاطئة، بينما يُترك محتوى مخالف وعنيف من دون أي إجراء، مما يفرغ بيئة التواصل من الموثوقية.
وتزداد هذه المشكلة تعقيدًا وإرباكًا عندما ننتقل من الفصحى إلى اللهجات المحلية التي تفقد المعايير الموحدة؛ حيث تُشير الدراسات الأكاديمية المتخصصة في تحليل المشاعر والمعالجة الآلية للدارجة التونسية إلى شحٍّ فادح في الموارد المعجمية المعيارية، فضلًا عن عجز الخوارزميات عن تفكيك التعبيرات غير المباشرة أو الإيحائية. وتكتسي هذه الفجوة التقنية أهمية بالغة في فهم العنف الجندري الرقمي؛ إذ إن خطاب الكراهية الموجه ضد النساء في التفاعل اليومي التونسي نادرًا ما يأتي في شكل شتيمة صريحة تسجلها الفلاتر التقنية التقليدية، بل يتحرك غالبًا في مساحات رمادية قوامها السخرية، التلميح، والرمزية الثقافية المضمرة التي تمرّ تحت رادار الخوارزميات وتترك الضحايا بلا حماية.
توضح دراسة للباحثة شهيرة بن عبد الله من معهد الصحافة وعلوم الاخبار، نشرت سنة 2022، ان خطاب الكراهية على فيسبوك في تونس يمكن ان يكون مضمرا، وان السخرية والصورة والتلميح قد تحمل معاني تحريضية لا تظهر بالضرورة في الكلمات المباشرة.
وهذا النوع من الخطاب يمثل تحديا إضافيا للادوات الآلية التي تبحث عن كلمات او انماط محددة.وهنا تلتقي مشكلتان: لغة محلية محدودة الموارد، وخطاب يعتمد على السياق والتلميح والسخرية. فإذا كانت المنصة لا تفهم الدارجة جيدا، وكانت في الوقت نفسه لا تلتقط المعنى الاجتماعي الكامن خلف السخرية والتلميح، يصبح الاشراف على المحتوى اقل قدرة على حماية من يستهدفه الخطاب.
ستون بالمائة من النساء تحت التهديد: العنف الرقمي في المعطيات الأممية
لا تأتي خطورة هذا الواقع من فراغ، بل تسندها أرقام ومؤشرات ميدانية صادمة؛ إذ كشفت معطيات مسحية حديثة صادر عن صندوق الأمم المتحدة للسكان في تونس أن ستين بالمائة من النساء المستجوبات تعرضن لشكل من أشكال العنف الرقمي أو العنف الميسَّر بالتكنولوجيا خلال حياتهن. وفي هذا السياق، تؤكد مريم أولاد الشايب، محللة الاتصال والبرامج بالصندوق، حقيقة هذه الأرقام، موضحةً أن هذا العنف تجاوز الحدود التقليدية لمنصات التواصل الاجتماعي ليلاحق النساء عبر الرسائل المباشرة، والمكالمات، ومختلف تطبيقات التواصل اليومي. وتُبيّن المعطيات الأممية أن الانتهاكات الرقمية تتخذ صورًا متعددة ومتصاعدة، تتراوح بين التحرش الإلكتروني، والتشهير، وكشف البيانات الشخصية، وصولًا إلى التزييف العميق وتلفيق الصور ومقاطع الفيديو عبر تقنيات الذكاء الاصطناعي. وأمام هذا التهديد الذي يمسّ ست نساء من كل عشر في تونس، يصبح سؤال المساءلة أكثر إلحاحًا وحرجًا: إذا كانت هذه النسبة المهولة من النساء يواجهن الأذى في البيئة الرقمية، فهل تملك منصات التكنولوجيا — بتصميمها المادي وخوارزمياتها الحالية — الإرادة أو القدرة التقنية واللغوية الحقيقية لحمايتهن؟

حين يتحول العنف الرقمي إلى أداة لفرض الانسحاب
تُقدّم قصة سيماء نموذجًا تطبيقيًا جليًا لهذا المأزق؛ إذ لم تكن التعليقات والردود التي تلقتها مرتبطة بصلب المضمون الصحفي أو التحقيق الذي كانت تعكف على إعداده، ولم يناقشها المعلقون في الحجج والمعطيات التي طرحتها. وبدلاً من النقاش الموضوعي، ارتدّ الخطاب فورًا نحو جسدها، وحياتها الشخصية، وجغرافية وجودها. فعبارة «كان مشيت عرست ولميت روحك أحسن» لم تأتِ لمناقشة الفكرة المنشورة، وجملة «شنو تعمل وحدك في قهوة رجال؟» لم تحترم صفة المهنة، ونداء «هاو التحرر متاعكم» تملّص كليًا من القضية المطروحة.
إن هذه العبارات الثلاث تعيد صياغة أي نقاش ليصبّ في سؤال السلطة الأوحد: «هل يُسمح للمرأة بأن توجد في هذا المكان وبهذه الطريقة؟». وهنا تحديدًا تجسد «الفالوسنترية الرقمية» جوهرها البنيوي؛ إذ تعمد إلى نزع المشروعية عن عمل المرأة وحضورها، وتحويل كيانها نفسه إلى موضوع للمساءلة والعقاب، ثم توظيف الفضاء الافتراضي كأداة لتضخيم تلك المساءلة وتحويلها إلى ضغط اجتماعي كاسح. ولا تتوقف المأساة عند حدود التعليق العابر، ففي بيئة خوارزمية تسوقها خوارزميات التفاعل وتعتمد على إعادة النشر والمشاركة المكثفة، يكتسب المحتوى المسيء والنص العنيف سرعة انتشار فائقة تتجاوز قدرة الصحفية أو الضحية على المواجهة أو الرد.
عندما تصبح الخوارزمية جزءًا من المشكلة
تستند المنصات الرقمية في بنيتها التشغيلية إلى أنظمة معقدة لترتيب المحتوى وتحديد أولويات ظهوره، وهي أنظمة محكومة بدرجات متفاوته بخوارزميات قياس التفاعل، مثل تعداد الإعجابات، حجم التعليقات، معدلات المشاركة، ومدة المشاهدة والاقتراب من الشاشة. بيد أن التفاعل المرتفع لا يعبر بالضرورة عن جودة النص أو سلامة المضمون؛ إذ غالبًا ما يُحقّق المحتوى المحرّض، أو المثير للغضب، أو المعتمد على السخرية والاستفزاز الاستقطابي نسب تفاعل كبرى تغذي المنظومة الاقتصادية للمنصة. وعندما يتحول قياس هذا التفاعل الخام إلى المؤشر الأوحد للمشروعية والظهور، تجد الخطابات العدائية والمسيئة طريقها المعبد للانتشار والوصول إلى أعداد مضاعفة من المستخدمين. وتجدر الإشارة هنا إلى أن المأزق لا يكمن في افتراض أن الخوارزمية «تضمر عداءً مباشرًا للنساء»، فهذا استنتاج تبسيطي لا يمكن إثباته لمجرد وجود سلوكيات عدائية بين الأفراد، بل تتجلى المشكلة الحقيقية في كون المنظومة الخوارزمية تُعطي الأولوية الاقتصادية للانتشار على حساب الأمان، لتصبح طرفًا في تفاقم الضرر بدلاً من محاصرته.
المشكلة التي يكشفها التحقيق هي ان المنظومة الرقمية قد تعمل داخل بيئة اجتماعية منحازة اصلا، وان قصور فهم اللغة والسياق قد يحد من قدرتها على اكتشاف العنف، بينما قد يساعد نظام التفاعل على توسيع وصوله.
من حوكمة البيانات إلى الفجوة التشريعية: حدود الحماية المسلوبة
ؤكد الناشطة والحقوقية نائلة الزغلامي أن معالجة الأزمة الراهنة للذكاء الاصطناعي لا يمكن أن تنفصل عن المساءلة المباشرة لحوكمة البيانات؛ مبينة أن الخوارزميات لا تتطوّر في بيئة محايدة، بل تعتمد بالكامل على موارد لغوية دقيقة، ومحتوى مصنف، وسياسات إشراف بشرية قادرة على التقاط العنف والتحريض الجندري. وترى الزغلامي أن التراجع الحاد في كفاءة تمثيل الدارجة التونسية يضعف آليات الرقابة، مما يثير شكوكًا جدية حول مدى امتلاك منصات التكنولوجيا لقواعد بيانات مصنفة قادرة على فهم التلميحات والسياقات الرمزية المضمرة للخطاب المسيء ضد النساء.

وفي تقييمها للمشهد القانوني الوطني، تشير الزغلامي إلى وجود تناقض وهشاشة بين النصوص التشريعية القائمة—وفي مقدمتها القانون الأساسي عدد ثمانية وخمسين لسنة ألفين وسبعة عشر المتعلق بالقضاء على العنف ضد المرأة، والمرسوم عدد أربعة وخمسين لسنة ألفين واثنين وعشرين المتعلق بجرائم أنظمة المعلومات والاتصال—مؤكدة أن وجود هذه القوانين يظل قاصرًا وغير نَافِذ في غياب بيئة رقمية آمنة ترسي آليات تبليغ سريعة وحماية فورية للبيانات ومرافقة قانونية ونفسية فعالة للضحايا. وتخلص الزغلامي إلى المطالبة بضرورة صياغة ملحق تشريعي وإجرائي عاجل يُعرّف الانتهاكات السيبرانية بدقة، ويفرض على المنصات الرقمية الالتزام بمعايير الحماية والتعهد بالضحايا.
سيكولوجيا الإقصاء: عندما تلتقي التحيزات الاجتماعية مع البنية الخوارزمية
لا تنبع المشكلة من التكنولوجيا وحدها، فالخوارزمية لم تخترع الثقافة التي تُسائل المرأة عن مشروعية حضورها في الفضاء العام، بل منحت التحيزات الاجتماعية القديمة مسارات انتشار أسرع ونطاقًا أوسع، لتصبح الفالوسنترية الرقمية تقاطعًا بين البنى التقليدية والبنى التقنية الحديثة. وتتجلى المأساة حين تفشل الخوارزميات الآلية في التقاط التلميحات والسخرية بالدارجة التونسية، متجهة عالمياً نحو تقليل المراجعة البشرية لصالح الأتمتة الميكانيكية، مما يولد تناقضًا بنيويًا يرفع منسوب الاعتماد على الآلة في وقت تشتد فيه الحاجة للفهم البشري للسياق. وفي المقابل، لا يشكل خروج النساء من الفضاء الافتراضي حلاً مقبولًا؛ كون هذا الفضاء بات امتدادًا حيويًا للعمل والتعليم والسياسة والصحافة، ومطالبتهن بالانسحاب تُحمل الضحية كلفة حماية نفسها. وتؤكد مريم أولاد الشايب في هذا السياق أن مكافحة العنف الرقمي تتطلب مجهودًا توعويًا واسعًا يضمن تعريف النساء والفاعلين المعنيين بأشكال الانتهاكات الرقمية والتعهد بها، للحيلولة دون تحويل التعليق المسيء اليومي إلى أداة لفرض العزلة الرقمية والصمت على النساء الفاعلات.
المساءلة الشاملة: الحق في الفضاء الافتراضي كامتداد للفضاء العام
تضع هذه المعطيات المنصات الرقمية أمام مساءلة حقيقية حول غياب الشفافية؛ ففي الوقت الذي خضع فيه المعطيات الميدانية لتوثيق يثبت تعرض ستين بالمائة من النساء المستجوبات في تونس لشكل من أشكال العنف الرقمي، يظل السؤال قائمًا حول ما إذا كانت المخططات الخوارزمية توفر للمرأة التونسية التي تتحدث بالدارجة مستوى الحماية نفسه الذي تمنحه لمستخدمات اللغات ذات الموارد الضخمة. إن تجربة سيماء المزوغي في المقهى تتجاوز مجرد تعليقات عابرة لتختصر آليات صوغ القوة في الفضاء العام والافتراضي؛ حيث تجد المرأة نفسها مطالبة بتبرير وجودها بمجرد ممارسة حقها في التعبير. ولا يكمن المطلوب في ابتكار خوارزميات نسوية، بل في إقرار منصات قابلة للمساءلة، وبيانات تدريب أكثر تمثيلًا، وفهم عميق للغات المحلية، ومراجعة بشرية قادرة على تفكيك النص والسياق. فالحق في التواصل الرقمي هو امتداد أصيل للحق في المواطنة، وكما لا يُقبَل فرض وصاية ذكورية على الشارع والمقهى، لا يجب السماح للتكنولوجيا بأن تحوّل السؤال الإقصائي التقليدي إلى قاعدة خوارزمية تمنح المركز لأطراف وتدفع النساء نحو الهامش.
عندما تُستعاد الشاشة… من قلب الفضاء العام
في البدء، كانت سيماء تجلس في مقهى بباب سويقة، تجسد بوجودها البسيط حقًا طبيعيًا في المواطنة والعمل والتعبير. وفي لحظات، ألغت الإشعارات المتوالية مضمون التحقيق الصحفي، لتستدعي سؤالًا قديمًا ألبسَتْهُ التكنولوجيا رداءً جديدًا: “شنو تعمل وحدك هنا؟”.

لم تكن الخوارزميات هي من ابتكر الهيمنة الذكورية، لكنها منحَتها سلطةً إضافية؛ منحَتها سرعة الانتشار الكاسح، ونطاق الوصول العابر للحدود، وذاكرةً افتراضية تُلاحق الضحايا وتُضاعف الأذى. إن «الفالوسنترية الرقمية» ليست مجرد انحياز تقني عابر، بل هي التقاء خطير بين تحيزات اجتماعية متجذرة وبين بنية تكنولوجية تُعلِي المصلحة التجارية وتقيس النجاح بالأرقام والتفاعل، حتى لو كان التفاعل قوامَهُ خطاب الكراهية واستباحة النساء.
حين تُصمَّم الخوارزميات في الشمال المعولم وتتجاهل سياق الدارجة التونسية، وحين يُحسَب الأمان الرقمي بلغاتٍ دون أخرى، تصبح التكنولوجيا أداةً لإعادة إنتاج التهميش ونفي النساء نحو الهامش. إلا أن الحل لم ولن يكون في انسحاب النساء من الشاشة، كتمان أصواتهن، أو التنازل عن حضورهن في الفضاء الافتراضي الذي بات امتدادًا حيويًا للحياة والسياسة والصحافة؛ فمحاولة إبعاد النساء هي تحميلٌ صريح للضحية كلفة الجريمة.
إن المطلوب اليوم ليس مجرد “خوارزميات نسوية”، بل تكنولوجيا قابلة للمساءلة، وحوكمة رقمية عادلة. مطلوبٌ خوارزميات تتسلّح ببيانات لغوية محلية أكثر تمثيلًا، وبمراجعة بشرية قادرة على قراءة السياق وتفكيك العنف المضمر، وبأطر قانونية تشريعية تحمي الكرامة الإنسانية وتصون الحقوق.
فالفضاء الرقمي ليس ملكًا للرجال، ولن تكون الخوارزمية امتدادًا لسلطة تُعطي التفضيل لطرف على حساب آخر. وكما ناضلت النساء التونسيات لعقود من أجل استعادة الشارع والمقهى والمجال العام، يخضن اليوم المعركة نفسها لخوض الشابكة واستعادة الشاشة… ليس من موقع الاستئذان أو التبرير، بل من موقع الحق الأصيل في المواطنة الكاملة.